عـالـمـيـة

أبعد من أوكرانيا.. خطة بوتين لإعادة رسم حدود أوروبا

بدأ كل شيء قبل عقدين من الزمن تقريبا. ففي أعقاب تفكُّك الاتحاد السوفيتي نهاية عام 1991، تخلَّت روسيا عن فضائها الجيوسياسي الممتد إلى شرق ووسط أوروبا واعترفت باستقلالية جمهورياتها السابقة. وفي عام 1994، وقَّعت مذكرة بودابست التي تعهَّدت بموجبها باحترام حدود أوكرانيا في مقابل تخلي الأخيرة عن ترسانتها النووية الموروثة عن الاتحاد السوفيتي لصالح روسيا.

 

 

بالتزامن مع ذلك، أدركت واشنطن ومعها الناتو أن دمج روسيا في النظام الدولي يعني أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يجب أن لا يتقدم نحو الشرق باتجاه جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، وهو ما عُرف آنذاك بسياسة “لا شبر واحدا باتجاه الشرق” (Not One Inch Eastward). لكن سرعان ما فرضت حسابات الجغرافيا السياسية نفسها مجددا، ليستأنف الناتو منذ أواخر التسعينيات التمدد شرقا بنهج ثابت ومدروس، مؤكِّدا أنه لا منطقة محظورة على توسع الحلف. كانت البداية في عام 1999، حين انضمَّت التشيك والمجر وبولندا، ومنذ ذلك العام وحتى 2020 انضم للحلف 14 عضوا جديدا جميعهم من دول أوروبا الشرقية.

بحلول عام 2004، أصبح الناتو واقفا على حدود روسيا مباشرة حين انضمَّت إليه أستونيا ولاتفيا وليتوانيا. وبذلك لم يعد متبقيا من الدول العازلة بين روسيا والناتو سوى بيلاروسيا وأوكرانيا. أدركت روسيا أن وجود الناتو في البلدين يعني حصار موسكو داخل حدودها، كما اعتبرت أن مصالحها الجيوسياسية تُحتم أن تظل جورجيا وفنلندا والسويد خارج منظومة الناتو كي لا يختل التوازن في البحر الأسود وبحر البلطيق لمصلحة الناتو.

 

 

 

مقدمة: جوهر الأزمة بين روسيا والغرب

 

  • بعد تفكك الاتحاد السوفياتي نهاية عام 1991، تخلت روسيا عن فضائها الجيوسياسي الممتد إلى شرق ووسط أوروبا واعترفت باستقلالية جمهورياتها السابقة. وفي عام 1994 وقعت مذكرة بودابست التي تعهدت روسيا بموجبها باحترام حدود أوكرانيا في مقابل تخلي الأخيرة عن ترسانتها النووية الموروثة عن الاتحاد السوفياتي لصالح روسيا.
  • أدركت واشنطن ومعها الناتو أن دمج روسيا في النظام الدولي يعني أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يجب أن لا يتقدم نحو الشرق باتجاه جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة، ووُصف في ذك الوقت توجه الناتو بسياسة “لا شبر واحداً باتجاه الشرق” (Not One Inch Eastward). لكن سرعان ما تجددت حسابات الجغرافيا السياسية التقليدية على العلاقة الثنائية، حيث استأنف الناتو منذ أواخر التسعينيات التمدد شرقا بنهج ثابت ومدروس، مؤكدا أنه لا منطقة محظورة على توسع الحلف. كانت البداية في عام 1999 حين انضمت التشيك والمجر وبولندا. ومنذ ذلك العام وحتى 2020 انضم للحلف 14 عضوا جديدا جميعهم من دول أوروبا الشرقية.
  • في عام 2004 أصبح الناتو على حدود روسيا مباشرة حين انضمت إليه أستونيا ولاتفيا وليتوانيا. وبذلك لم يعد متبقيا من الدول العازلة بين روسيا والناتو سوى بيلاروسيا وأوكرانيا. أدركت روسيا أن وجود الناتو في البلدين يعني حصار روسيا داخل حدودها. كما اعتبرت أن مصالحها الجيوسياسية تُحتم أن تظل جورجيا وفنلندا والسويد خارج منظومة الناتو  كي لا يختل التوازن في البحر الأسود وبحر البلطيق لمصلحة الناتو.
  • لكنّ مخاوف روسيا تجسدت تماما مع قمة الناتو في بوخارست عام 2008، عندما رحب الحلف بتطلع أوكرانيا وجورجيا لنيل عضويته. وهنا بدا أن توسعات الناتو تتجاهل تماما وعن عمد الاعتبارات الروسية والوضع الخاص الذي توليه لكل من أوكرانيا وجورجيا باعتبارهما امتدادا لمجالها الحيوي، أو في الحد الأدنى منطقة عازلة بين نفوذ روسيا والغرب.
  • يُنظر إلى هذا الإعلان كبداية لإعادة تصاعد التوتر الجيوسياسي بين روسيا والغرب والذي نتجت عنه حتى الآن ثلاث عمليات عسكرية روسية: الأولى حرب جورجيا عام 2008 (حرب أوسيتيا الجنوبية) التي استولت فيها روسيا على إقليمي “أبخازيا” و”أوسيتيا”. الثانية في 2014 حينما استولت روسيا على شبه جزيرة القرم الأوكرانية وقدمت الدعم للقوات الانفصالية في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا. وأخيرا غزو أوكرانيا الذي بدأ في 24 فبراير/شباط الماضي.
 حرب أوكرانيا وإعادة رسم حدود صراع الغرب وروسيا

أوكرانيا.. ساحة صراع متجدد بين روسيا والغرب

  • منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، تَسارع التعاون العسكري والأمني بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، وتقدر المساعدات الأمريكية لأوكرانيا منذ عام 2014 بنحو 5.6 مليارات دولار، منها مليار دولار في عام 2021 وحده. غالبية هذه المساعدات أمنية وعسكرية وتشمل أسلحة وبرامج تدريب للجيش ودعم مكافحة التهديدات السيبرانية، بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي لمواجهة التهديدات الروسية عبر “مبادرة المساعدة الأمنية الأوكرانية“. أما الناتو فقد أقر حزمة المساعدات الشاملة عام 2016، وتشمل 16 برنامجا لتعزيز الإستراتيجية الدفاعية والأمنية في أوكرانيا.
  • لم يقتصر النفوذ الغربي في أوكرانيا على التعاون العسكري والأمني. فمنذ الإطاحة بزعيم أوكرانيا الموالي لروسيا “فيكتور يانوكوفيتش” عام 2014 بعد احتجاجات واسعة، تميل اتجاهات الرأي العام الأوكراني نحو الغرب، وأظهرت استطلاعات الرأي في الفترة 2013-2021 اتجاهات تصاعدية لتأييد الانضمام للاتحاد الأوروبي والناتو. ويظهر أحدث استطلاع في نهاية 2021 تأييد 58% من الأوكرانيين الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتأييد 54% الانضمام إلى الناتو، فيما أيد 21% فقط الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوراسي بقيادة روسيا، غالبيتهم الساحقة في المناطق الشرقية والجنوبية ذات الأغلبية الروسية. وربما يكون انحسار النفوذ الروسي على المستوى الشعبي أحد الأسباب التي عجلت بالتحرك العسكري.
  • من وجهة نظر موسكو، فإن استثمار دول الناتو العسكري في أوكرانيا جنبا إلى جنب مع تنامي الاتجاه الموالي للغرب؛ جعلا معا من أوكرانيا “عضوا بحكم الأمر الواقع” في الناتو. لذلك كانت تصريحات الغرب بشأن المسار الدبلوماسي كوسيلة وحيدة لتسوية الأزمة الأوكرانية مع تأكيداته أنه من غير المتوقع انضمام أوكرانيا للحلف خلال العقد المقبل.. كانت غير كافية لطمأنة “بوتين”، خاصة وأن الناتو رفض بوضوح تقديم تعهدات بهذا الشأن، ولم يقدم سوى تنازلات محدودة تتعلق بعمليات نشر الأسلحة ونظام الدفاع الصاروخي في أوكرانيا.
  • في المقابل، فإن “بوتين” لم يسع بصورة حقيقية لبقاء أوكرانيا محايدة بقدر ما سعى لأن تكون كييف تابعة لموسكو، وعمل على تقويض استقرار البلاد الداخلي عبر السيطرة على القرم، ثم بدعم الانفصاليين في دونباس بصورة لوجستية منتظمة. وهي السياسة التي عززت من حاجة البلاد للبحث عن الدعم الغربي لحماية استقلال البلاد ووحدتها التي باتت مهددة من قبل روسيا. ومن ثم كانت الحكومات الغربية من وجهة نظرها تساعد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في الدفاع عن أمن البلاد.
  • حشدت روسيا أكثر من 100 ألف جندي وأسلحة ثقيلة على الحدود الأوكرانية، وطالبت واشنطن والناتو بضمانات أمنية تركزتعلىتجميد الناتو لتوسعات البنية التحتية العسكرية في أراضي الاتحاد السوفياتي السابقة، ووقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا، بالإضافة إلى منع نشر الصورايخ متوسطة المدى في أوروبا، وتأطير هذه الضمانات في معاهدة مع الولايات المتحدة واتفاقية أخرى مع الناتو. لم يقدم الغرب أي تنازلات للمطالب الروسية وكانت رسالته الضمنية أنها مطالب غير مقبولة، بالإضافة إلى تأكيده رفض الاستجابة للمطالب الروسية تحت تهديد السلاح.
  • أهداف “بوتين إذاً تقوم على حسابات جيوسياسية تستهدف إصلاح الضرر الذي لحق بنفوذ روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واستعادة ميزان القوى مع الغرب في شرق أوروبا، وإنشاء نظام أمني تتوسع خلاله هيمنة روسيا وحدودها الأمنية باتجاه الغرب، بحيث تمتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. ولا يشمل ذلك فقط وضع أوكرانيا تحت مجال النفوذ الروسي، ولكن أيضا ضمان أن فنلندا والسويد لن تكونا أبدا جزءا من الناتو، وأنه حتى أراضي الناتو في أوروبا الشرقية، خاصة أستونيا ولاتفيا وليتوانيا، ستكون خالية من الأسلحة الهجومية، وربما أيضا بولندا وسلوفاكيا والمجر وبلغاريا. يريد “بوتين” بشكل إستراتيجي استعادة الستار الحديدي، وإبعاد نفوذ الناتو إلى حدود 1999.

الحسابات الغربية.. بين الصين والخصم الروسي

  • لا تزال روسيا تمتلك قوة عسكرية لا يستهان بها، تسمح لها -رغم تأخر اقتصادها قياسا مع الاقتصادات الغربية- بالبقاء في دائرة المنافسة مع القوى الدولية الأخرى. حيث تظل روسيا صاحبة أكبر جيش تقليدي في أوروبا، والذي خضع لإصلاحات وتحديثات منذ 2008، جعلته يصل إلى أعلى مستوى من الجاهزية والتعبئة منذ عقود. فبينما يقدر “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (سيبري) الإنفاق العسكري الروسي بقيمة 61.7 مليار دولار عام 2020، فإن تقديرات أخرى تأخذ بعين الاعتبار تكافؤ القوة الشرائية وميزة الاكتفاء الذاتي لقطاع الدفاع الروسي، ترقع هذا الرقم إلى ما يتجاوز 150 مليار دولار. هذا الرقم يتوجه نصفه إلى شراء أسلحة جديدة وتحديث القديم وتطوير التكنولوجيا العسكرية، وهي حصة تتجاوز ما تنفقه الدول الأوروبية على هذه المجالات العسكرية. حيث بلغ إجمالي النفقات الدفاعية لدول الاتحاد الأوروبي في عام 2020 نحو 219 مليار دولار، منها حوالي 48 مليار دولار خصصت لشراء الأسلحة الجديدة والبحث والتطوير العسكري.
  • أيضا، يظل التهديد النووي الروسي أكثر خطورة من الصين بالرغم من امتلاك الأخيرة لترسانة نووية متطورة، إذ تمتلك كل من أمريكا وروسيا ما يناهز 90% من إجمالي الرؤوس النووية في العالم، بالإضافة إلى امتلاك روسيا لقواعد عسكرية خارجية أكثر من الصين تنتشر في الشرق الأوسط والقوقاز ووسط آسيا وشرق أوروبا، وهي مناطق قريبة من المصالح الأمريكية والأوروبية.
  • لذلك، وعلى الرغم من أن صعود الصين يهيمن منذ إدارة “أوباما” الثانية على أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وهي السياسة نفسها التي اتبعها بحدة “دونالد ترامب” وإدارة “بايدن” الحالية، فإن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة والناتو تجاهلا المؤشرات الحاسمة على مساعي “بوتين” استعادة ميزان القوى في شرق أوروبا. فمن ناحية واصل الناتو تعزيز وجوده في البلقان بقبول عضوية الجبل الأسود (2017) وشمال مقدونيا (2020)، وباتت البوسنة والهرسك مرشحا آخر في البلقان لنيل العضوية. سار هذا بالتوازي مع تعزيز التعاون العسكري مع أوكرانيا كما سبق التنويه، وتعزيز الانتشار الأمريكي العسكري في شرق أوروبا خاصة بولندا.
  • بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة والناتو انتهجا سياسة صارمة تجاه محاولات روسيا تطوير ترسانتها العسكرية الإستراتيجية، خاصة تطوير صاروخ (نوفاتور 9إم729) الذي يملك قدرات نووية والمعروف أيضا باسم (إس.إس.سي-8). حيث قررت إدارة “ترامب” -بدعم كامل من الناتو- الانسحاب من “معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى” التي أبرمت عام 1987، والتي استهدفت حظر نشر الصواريخ البالستية التقليدية والنووية وصواريخ كروز الموجهة التي تطلق من البر ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر. وهو ما يعني استعداد واشنطن لنشر واسع النطاق لهذه الصواريخ في أوروبا.
  • وجاءت الإشارة الأبرز في قمة الناتو 2021 في بروكسل، حيث أقر الحلف وثيقة الناتو 2030 التي تستهدف تعزيز الحلف على مدى العقد المقبل وما بعده بهدف التكيف مع المنافسة العالمية المتزايدة والتهديد النابع من روسيا والصين. وبينما يناقش تقرير أولويات حلف الناتو 2030 التحديات المتزامنة التي تطرحها روسيا والصين، ظهرت روسيا في بيان القمة في طليعة أذهان قادة الحلف كتهديد مباشر. حيث ذُكرت روسيا 63 مرة، والصين 10 مرات فقط. بل إن البيان لم يصل إلى حد وصف الصين بأنها تهديد مباشر، وأشار إلى توافق آراء قوي بين أعضاء الناتو بشأن التحديات المختلفة التي تطرحها الصين. ليس معنى هذا أن الصين لا تمثل تهديدا أساسيا من وجهة نظر الناتو والولايات المتحدة، ولكن روسيا بدت تهديدا أمنيا أكثر إلحاحا وأقرب لحدود الناتو.

 

بوتين.. ما بين المكاسب التكتيكية والخسائر الإستراتيجية

  • القدرات العسكرية الروسية جعلت من خيار منع غزو أوكرانيا عسكريا أمرا مكلفا، لذلك قررت واشنطن وحلفاؤها عدم منع غزو أوكرانيا، وعدم الدفاع عنها عسكريا. في المقابل خططت لمعاقبة روسيا عبر حزمة منسقة من العقوبات التي تستهدف تقويض مكتسبات روسيا خلال العقدين الماضيين. فمع بداية الحرب بدت العقوبات الغربية تأخذ مسارا أكثر جدية وفاعلية من أي مرحلة سابقة، حيث تستهدف القطاعات الإستراتيجية للاقتصاد الروسي من خلال منع وصولها إلى التقنيات والأسواق الرئيسية، بما يضمن إضعاف القاعدة الاقتصادية لروسيا وقدرتها على التحديث. وإضافة للعقوبات الاقتصادية الإستراتيجية، فإن دول الناتو أرسلت شحنات أسلحة مكثفة لأوكرانيا، بما يضمن استنزاف روسيا في الحرب وإرهاق جيشها واقتصادها على حد سواء.
  • بالإضافة إلى ذلك، فإن الموقف الألماني بدا مفاجئا لبوتين الذي راهن على الارتباط الاقتصادي بين الجانبين، خاصة اعتماد برلين على الغاز الروسي، وهو الأمر الذي جعل ألمانيا في بداية الأزمة متحفظة. لكن مع تسارع وتيرة الحرب، لم يقتصر رد ألمانيا على إيقاف إجراءات الموافقة على خط نورد ستريم2، ولكن أرسلت صواريخ مضادة للدبابات وصواريخ “ستينغر” المضادة للطائرات إلى أوكرانيا. والأهم من ذلك هو الزيادة التي تعهدت بها برلين في ميزانيتها العسكرية، حيث سيوجه 2% من الناتج المحلي إلى نفقات الدفاع خلال السنوات القادمة، وكذلك ضخ 100 مليار يورو دفعة واحدة للإنفاق العسكري في ميزانية العام القادم. وتضع هذه الخطوات ألمانيا كأكبر دولة إنفاقا على الدفاع في أوروبا.
  • لن تتوقف الخسائر الروسية عند أوروبا؛ ولكنها ستواجه صعوبات في توطيد علاقاتها الخارجية في مناطق أخرى لاسيما في منطقة الشرق الأوسط. وسيكون على دول الشرق الأوسط التي تجمعها علاقات قوية مع روسيا التعامل مع الواقع الجديد الذي سيحد من قدرتها على مواصلة سياستها القائمة على التوازن في علاقاتها بين واشنطن وموسكو، مما سيضعها أمام خيارات صعبة بين التوافق مع العقوبات الأمريكية والأوروبية وبين مواصلة علاقتها مع روسيا.

سيناريوهات الفوز والخسارة

  • ليس من المؤكد أن الانتصار بمعناه العسكري يكفي لتقييم حقيقة المكاسب التي يسعى كل طرف لتحقيقها. فمن الناحية العسكرية يمكن لروسيا السيطرة على كييف وتنصيب حكومة موالية للمحتل، لكنّ هذا لا يكفي للجزم بأن “بوتين” نجح في إعادة أوكرانيا للنفوذ الروسي. فمن ناحية، لا يبدو أن الناتو يستهدف منع احتلال كييف بقدر ما يستهدف أن يجعل هذه المعركة مكلفة للقوات الروسية، بالإضافة لضمان أن الجيش الأوكراني -وربما مقاتلين أجانب- سيكون بمقدوره خوض حرب عصابات واسعة وطويلة ضد روسيا. لذلك، لا يبدو “بوتين” في عجلة من أمره لاقتحام كييف لأنه انتصار عسكري لكن مغزاه السياسي يبدو غير مؤكد. الانتصار الروسي المستهدف هو ضمان حياد أوكرانيا وإبعادها عن دائرة النفوذ الغربي، في حين أن انتصار الناتو يتمثل في بقاء أوكرانيا موالية حتى لو لم تنضم رسميا للحلف، وإبقاء روسيا محاصرة في حدودها الجغرافية.

 السيناريو الأول: نجاح روسيا في تحقيق أهدافها السياسية باستخدام القوة العسكرية

  • في هذا السيناريو، ستخضع الحكومة الأوكرانية لميزان القوى العسكري الذي يسعى “بوتين” لفرضه، وذلك لأن الدعم العسكري الغربي لن يحمي كييف من السقوط. وهذا سيعني أن السياسة التوسعية لكل من الناتو والاتحاد الأوروبي ستتوقف، وسيمثل هذا ميزان قوى جديدا فرضته روسيا، يكتفي فيه الناتو بالدفاع عن الأعضاء الحاليين وليس مواصلة الزحف شرقا.
  • سيواصل الغرب عقوباته على روسيا كوسيلة للانتقام، ولتعويق قدراتها الإستراتيجية، وستحاول روسيا استخدام الطاقة والمصالح المتبادلة لإقناع دول أوروبية بالتراجع عن العقوبات، لكنها ستواجه على الأرجح أوروبا موحدة. العقوبات وما سينتج عنها من أضرار اقتصادية دولية ربما تفتح الطريق أمام تفاهمات تجارية ومالية بين الولايات المتحدة والصين، في ظل أن الأخيرة ستظل أولويتها ضمان استمرار تدفق صادراتها للسوق الأمريكي الذي يمثل الوجهة الأولى دون منازع لهذه الصادرات.

السيناريو الثاني: استنزاف روسيا في حرب طويلة دون مكاسب جيوسياسية

  • لا تعني خسارة “بوتين” هنا بالضرورة عدم استحواذه على كييف، فربما يحقق بوتين نصرا عملياتيا ويستولي على العاصمة وأجزاء أوسع من أوكرانيا، ولكن دون تحقيق أهدافه السياسية متمثلة في استسلام الحكومة والجيش الأوكرانيين. ستستمر أعمال المقاومة وتتمدد حرب العصابات في جميع الأراضي الأوكرانية مدعومة من الغرب، وتُستنزف روسيا بمرور الوقت وتتعمق أزماتها الاقتصادية وعزلتها الدولية. خاصة وأنه لا يتصور أن تقبل حكومة أوكرانيا بالاعتراف بسيادة روسيا على القرم، أو الاعتراف باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، وهو ما سيعوق فرص التفاهم مع “بوتين”.
  • الفشل السياسي وتنامي الضغوط الاقتصادية نتيجة العقوبات وكلفة الحرب، قد يؤثر على استمرار “بوتين” في إحكام قبضته على روسيا. وسيعمل الغرب على تحريض المعارضة الداخلية سعيا وراء نظام سياسي جديد في موسكو أقل استقرارا، وأقل قدرة على مواصلة طموحات “بوتين” الدولية. ستكون المحصلة إعادة تأكيد الهيمنة الغربية الدولية، وتعزيز موقع الولايات المتحدة بصورة خاصة، وتركيز جهودها لاحتواء الصعود الصيني. في هذ الحالة سيكون الاتفاق الروسي الصيني على الأرجح قد فقد مغزاه الجيوسياسي، لأن بكين ستكون أكثر حذرا تجاه الرهان على روسيا المهزومة وغير المستقرة داخليا.

السيناريو الثالث: نهاية الحياد الصيني واتساع المواجهة

  • من الممكن أن تؤدي تطورات الحرب وتشديد الخناق حول روسيا إلى تغير الموقف الصيني، استنادا إلى البيان الصيني الروسي الصادر في 4 فبراير/شباط الماضي عقب قمة شي جين بنغ وبوتين. لم يقتصر البيان على الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية الواسعة، ولكنه اعتُبر تدشينا لمشروع مشترك يستهدف نظاما عالميا متعدد القطبية. فإذا كان جوهر الإعلان الصيني الروسي هو قرار البلدين تطوير العلاقة لمستوى “أسمى” من التحالف وأقل من الوحدة عبّر عنه بعبارة “صداقة بلا حدود” تستهدف إنهاء نظام القطب الواحد؛ فإن الصين ستعمل على ضمان ألا تقوض الحرب والعقوبات الغربية موقع روسيا في النظام الدولي.
  • يعزز من ذلك السيناريو أن الإعلان الصيني الروسي سبق الحرب بأسابيع قليلة، كما كشفت التقارير عن علم بكين بقرار الحرب مسبقا، وهو ما يجعل من فرضية وجود تنسيق روسي صيني أعمق مما يظهره حياد بكين في الجمعية العامة ومجلس الأمن فرضية جديرة بالأخذ في الاعتبار. ولا يتطلب الدعم الصيني تدخلا عسكريا، ولكن عل الأقل العمل مع روسيا وشركاء آخرين -ربما إيران- لضمان إضعاف أثر العقوبات الاقتصادية على موسكو، وتطوير آليات تجارية ومالية خارج الهيمنة الغربية، وعدم الاستسلام للوضع الراهن الذي يعطي الولايات المتحدة ميزة تفضيلية هائلة.

عالم ما بعد حرب أوكرانيا: مآلات جيوإستراتيجية

  • تقتضي الحكمة تجنب استخلاص دروس ونتائج الحروب في منتصف المعارك، لأن التاريخ أثبت دائما أن الحرب نشاط عصي على التنبؤات. لكن ثمة اتجاهات تبدو واضحة، بغض النظر عن اتجاه سير المعارك الميدانية والانتصارات أو الإخفاقات العسكرية قصيرة الأجل. أبرزها ما يلي:

أولاً: الموقف الأمريكي

  • ستعود مجددا القارة الأوروبية إلى المناطق الأكثر أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية بعد أن تم تهميشها في بعض الفترات لمصلحة الشرق الأوسط ثم لمصلحة آسيا. لن يؤدي هذا لتوقف التوجه الأمريكي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولكن سيكون على واشنطن الموازنة أكثر بين الحاجة العاجلة لتعزيز الردع في أوروبا من ناحية، ومواصلة التوجه لاحتواء التهديد الصيني الإستراتيجي من ناحية أخرى. كذلك، سيكون التراجع الأمريكي عن مسؤولياتها في الشرق الأوسط أكثرا حذرا وتباطؤا، في ظل ارتباط العلاقة مع قوى الإقليم بالمواجهة الواسعة مع روسيا، حيث ستكون دول الخليج المصدرة للطاقة -وخاصة السعودية والإمارات وقطر- مهمة لواشنطن. كما أن تركيا ستستعيد موقعها الجيوسياسي التاريخي كنقطة ارتكاز في السياسة الأمنية الغربية عموما. وهذا سيجعل واشنطن أكثر حرصا على طمأنة حلفائها وطي صفحة توتر العلاقات.
  • سترتكز السياسة الأمريكية تجاه موسكو على عدة محددات رئيسية:
    • ضمان بقاء تفوق القوة العسكرية والتكنولوجية الأمريكية مقارنة بأي قوة دولية أخرى، خاصة روسيا والصين.
    • تعزيز العلاقات عبر الأطلسية وتعزيز الثقة مع شركاء واشنطن الرئيسيين في أوروبا.
    • تقليص ارتباط الاقتصادات الغربية بروسيا، ودعم أمن الطاقة الأوروبي بعيدا عن موسكو.
    • مواصلة فرض العزلة الدبلوماسية على روسيا، وحرمانها من الانخراط مع المجتمع الدولي.

ثانياً، الموقف الروسي

  1. زيادة الإنفاق العسكري وتطوير الأسلحة غير التقليدية والتي تحفظ لموسكو قدرات ردع في مواجهة حشد الناتو العسكري في شرق أوروبا.
  2. دعم دعوات الانفصال وتعزيز الانقسامات وعدم الاستقرار داخل أوروبا الشرقية، ودعم تيارات اليمين المتطرف في أوروبا التي تثير خلافات قومية داخل الاتحاد الأوروبي.
  3. الحفاظ على موقع روسيا في آسيا الوسطى كقوة مهيمنة، وتعزيز العلاقات الأمنية والتجارية مع الشرق الأوسط وتركيا لمزاحمة النفوذ الغربي والاستفادة من الخلافات بين هذه الأطراف والولايات المتحدة.
  4. الاتجاه نحو الشرق في علاقتها الخارجية ومحاولة توطيد وتعميق علاقاتها مع الصين وباكستان وإيران.

ثالثاً: مستقبل الناتو

  • أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا تذكير أعضاء الناتو بأهمية الحلف وجعله أكثر تماسكا من أي وقت مضى. ويبدو أن الناتو سيلعب دورا مركزيا في الفترة المقبلة التي سيهمين عليها حسابات الجغرافيا السياسية القديمة التي تَشكل على أساسها. وبناء على ذلك سيكون على الناتو تعزيز وجوده في أوروبا الشرقية وضمان أمن أعضائه، وفي الوقت نفسه ستواصل واشنطن دفع شركائها في أوروبا لمزيد من الانخراط في تحمل عبء الردع والدفاع عن القارة الأوروبية، ومن ثم الالتزام بزيادة الإنفاق على المدى البعيد لتطوير قدراتها العسكرية وتعزيز أدوارها داخل حلف شمال الأطلسي.

رابعاً: تكتل روسي صيني في مواجهة الغرب

  • العلاقات المتنامية بين الصين وروسيا في العقد الأخير والتي جعلت من الصين الشريك التجاري الأول لروسيا (من المتوقع أن يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 200 مليار دولار بحلول عام 2024 أي ضعف ما كان عليه في عام 2013)، بالإضافة إلى الشراكة القوية التي أُعلنت مؤخرا وتشمل التعاون الاقتصادي والسياسي والإستراتيجي؛ ستدفع الصين إلى مساعدة روسيا في تخفيف بعض الأضرار الاقتصادية للعقوبات المفروضة عليها. والأهم من ذلك فإن عودة التحالفات الأمريكية مع شركائها الأوروبيين ستدفع التفاهمات بين روسيا والصين إلى تحالف موازن للقوى الغربية، وسيبلغ التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين الجانبين مستويات جديدة.

خامساً: معركة الغاز والنفط

  • تدرك الولايات المتحدة وأوروبا أن أحد أدوات القوة التي ساهمت في استعادة روسيا لجزء من قوتها ونفوذها يتعلق بصادراتها من النفط والغاز وذلك من الزاويتين الاقتصادية والجيوسياسية. فقد بلغت عائدات النفط والغاز الروسية عام 2021 ما يناهز 119 مليار دولار، وهو الأمر الذي منح روسيا القدرة على إصلاح وتطوير قدراتها العسكرية. ومن الناحية الجيوسياسية منحت صادرات الغاز الروسي لأوروبا -والتي تمثل 40% من احتياجات القارة– سلاحا جيوسياسيا استخدمه بوتين في أكثر من مناسبة للضغط على أوروبا. ولذلك فإن اتجاه أوروبا إلى تقليل الاعتماد على الغاز والنفط الروسيين والبحث عن بدائل أخرى هي سياسة لن تتراجع عنها أوروبا في الفترة القادمة.

سادساً: الشرق الأوسط.. بدائل متعددة وحسابات معقدة

  • من غير المرجح أن تتخلى دول الخليج عن أمريكا كشريك إستراتيجي رئيسي، ولكن في الوقت نفسه وبسبب التخوفات والشكوك المتزايدة تجاه دور أمريكا التقليدي في المنطقة كضامن رئيسي للأمن الإقليمي ومُوَاجِه للتهديدات الإيرانية؛ ستتجه تلك الدول إلى سياسات خارجية أكثر استقلالية، في الوقت الذي ستتجنب فيه المواجهة مع الصين أو روسيا، وهو ما يطلق عليه سياسة التحوط الإستراتيجي.
  • توجد لتركيا فرصة واسعة لإعادة ترميم علاقاتها مع الغرب على أساس موقعها الجيوسياسي المحوري في الصراع مع روسيا. كما أنها أثبتت لروسيا أنها “صديق” مفيد في الناتو يمكنه بدرجة ما الموازنة بين التزاماته تجاه الحلف من ناحية، والحفاظ على استقلالية نسبية في إدارة مصالحه العملية مع روسيا من ناحية أخرى. وفي ظل حالة الوحدة الغربية في مواجهة روسيا سيكون الموقف التركي مهماً لروسيا لأنه يمثل قناة مفيدة لإدارة المصالح التكتيكية.
  • التفاهمات الروسية الإسرائيلية في سوريا ستكون مهددة إذا طالت الحرب وتفاقمت تبعاتها، حيث ستكون إسرائيل مضطرة لاتخاذ مواقف أكثر وضوحا ضد روسيا، وهو ما سيعرض مصالحها في سوريا لتعقيدات. في المقابل، ستكون إيران أكثر التزاما تجاه العلاقة مع روسيا لأن إضعاف نظام الهيمنة الأمريكي يمثل مصلحة إستراتيجية لطهران.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق