أخــبـار مـحـلـيـة

أنقرة لن تسمح بتكرار أزمة البوسنة في التسعينيات.. ماذا وراء زيارة وزير الدفاع التركي إلى البلقان

 

أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أن بلاده تتابع عن كثب التطورات في منطقة البلقان، لا سيما في البوسنة والهرسك وكوسوفو، مشدداً على أن المحاولات الانفصالية في المنطقة لا تصب في مصلحة أي طرف.

 

 

وشدد خلال زيارته إلى البوسنة والهرسك وكوسوفا على أن بلاده ستواصل الوقوف إلى جانب دول منطقة البلقان، وستبذل ما بوسعها للإسهام في قضايا الأمن والدفاع، مضيفاً أن راحة وأمن واستقرار أشقائنا وأصدقائنا هنا “في منطقة البلقان يُفرحنا، وخلاف ذلك يحزننا”.

وأشار أكار خلال تفقده القوات التركية العاملة ضمن قوة حفظ السلام في مدينة بريزرن، بكوسوفو أن الجيش التركي إضافة لمهامه في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية “AGİT”، يتواجد في العديد من الدول الشقيقة والصديقة في إطار العلاقات الثنائية.

 

وأوضح وزير الدفاع التركي أن اهتمام بلاده بالبوسنة والهرسك باعتبارها من دول البلقان يتزايد يوماً بعد يوم، وقال إن استقرار البوسنة أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا ولجميع دول البلقان، وأكد مواصلة بلاده بذل قصارى جهدها لضمان وحدة واستقرار البوسنة.

وتطرّق أكار خلال لقاءاته أعضاء المجلس الرئاسي للبوسنة والهرسك إلى المشاكل والآلام التي مرت بها المنطقة في الماضي، قائلاً “إن البوسنة قطعت شوطاً كبيراً، وحققت تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية، ونتمنى ألا تضيع المكاسب التي تحققت”.

والتقى وزير الدفاع التركي خلوصي أكار خلال زيارته إلى البوسنة والهرسك نظيره البوسني سيفيت بودزيتش، ودعا أكار الأطراف المعينة إلى التحلي بالحكمة، والتفكير ملياً في تطورات الأوضاع الحالية.

ولفت أكار أن أنقرة ترى “الشعب البوسني بشكله الموحد، وأوضح أن تركيا تربطها بالبوسنة والهرسك علاقات وطيدة، وهي حريصة على سلامتها من كل مكروه.

وأعرب وزير الدفاع التركي عن دعم بلاده لعلاقات البوسنة والهرسك، وتكاملها مع المؤسسات الأوروبية الأطلسية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مشيراً إلى أن لقاءه مع وزير الدفاع البوسني بودزيتش كان بنّاء وصادقاً للغاية.

 

 

أردوغان: تركيا سد منيع أمام تكرار الأحداث المؤسفة في البوسنة

 

 

 

الكاتب الصحفي التركي فاتح جيكرتش، الذي رافق وزير الدفاع التركي في زيارته إلى منطقة البلقان، رأى أن الرسالة التركية في الحفاظ على استقرار دول البلقان، خاصة البوسنة والهرسك، قد وصلت إلى كل الأطراف، لاسيما أن الرسالة جاءت على لسان وزير الدفاع التركي.

 

 

وقال الكاتب التركي لـ”عربي بوست”، إن التصريحات التي أعقبت زيارة الوزير التركي إلى البوسنة والهرسك، خاصة من قبل أعضاء المجلس الرئاسي للبوسنة الهرسك، الذين أكدوا على ضرورة وحدة البلاد، وعدم تعزيز أي من دعاوى الانفصال التي يدعو إليها البعض بدعم خارجي.

ورأى الكاتب التركي تأكيد وزير الدفاع التركي على كلمة الاستقرار، وإشارته الدائمة لشعب البوسنة والهرسك بالأشقاء والإخوة دليل على جدية تركيا في منع أي تكرار لمجازر التسعينات بحق مسلمي البلقان مرة أخرى، وفي هذه الرسالة ما يكفي لوأد كافة الأفكار الانفصالية، بحسب فاتح جيكرتش.

 

وجاءت زيارة أكار إلى منطقة البلقان بعد أيام من بدء نواب صرب البوسنة في الـ10 من ديسمبر/كانون الأول 2021، الانسحاب من المؤسسات المركزية في البوسنة والهرسك، رغم تحذيرات الغرب ضد هذه الخطوة.

ومرر برلمان صرب البوسنة تصويتاً يُلزم الحكومة المحلية بالانسحاب من 3 مؤسسات مشتركة أساسية، هي الجيش والنظام القضائي والضرائب، في الأشهر الستة القادمة.

من جانبها، أعربت الخارجية التركية عن قلقها من قرارات الجمعية الوطنية لجمهورية صرب البوسنة، مؤكدة أن أنقرة عازمة على دعم سيادة ووحدة أراضي البوسنة والهرسك.

جاء ذلك في بيان صادر عن المتحدث باسم الخارجية التركية، تانجو بيلجيتش، نشر على الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية التركية.

ورد بيلجيتش على سؤال يتعلق بالقرارات التي اتخذتها الجمعية الوطنية لجمهورية صرب البوسنة، أحد الكيانين المشكلين لدولة البوسنة والهرسك، الجمعة الماضية.

وقال بيلجيتش في البيان: “لقد كانت تركيا دائماً في طليعة الجهود المبذولة للحفاظ على السلام وزيادة الازدهار في البلقان، وخاصة في البوسنة والهرسك”.

وأضاف أن بلاده “كما هو الحال مع جميع أصدقاء البوسنة والهرسك، تشعر بقلق إزاء القرارات المتخذة خلال الجلسة الاستثنائية للجمعية الوطنية لجمهورية صرب البوسنة، بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول 2021”.

واعتبر أن تلك القرارات “تُلحق الضرر بالإطار الدستوري والقانوني، وبالتالي تضر بالمستقبل السلمي والمزدهر الذي يستحقه مواطنو البوسنة والهرسك”.

كما حذّر من أن هذا الوضع يشكل أيضاً تحدياً للسلام والاستقرار في البلقان وأوروبا بأسرها، وقال: “ندعو من سيتحملون مسؤولية الإضرار بالسلام والازدهار إلى الالتزام بالإطار الدستوري والقانوني، واللجوء إلى الحوار بدلاً من الإجراءات الأحادية الجانب، وأكد أن تركيا عازمة على الدعم بشكل قوي لسيادة البوسنة والهرسك ووحدة أراضيها”.

من جانبه، اعتبر الباحث التركي ومستشار رئيس الوزراء التركي السابق عمر قورقماز، أن زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى دول البلقان تحمل أهمية كبيرة، وتعد بمثابة زيارة تاريخية، في ظل الرسائل التي حملها الوزير التركي، التي أكدت على حرص تركيا العميق على الحفاظ على وحدة واستقرار المنطقة.

وقال الباحث التركي لـ”عربي بوست” إن التأكيدات التركية على وحدة دول البلقان تأتي كإشارة من تركيا، التي تحظى باحترام واسع في المنطقة، بأنها تسعى لسلام المنطقة كلها، دون الإشارة إلى إثينية بعينها، وأن الأهم بالنسبة لتركيا هو ألا تعود المنطقة إلى الحروب والمجازر مرة أخرى.

دفعة معنوية قوية لأهل البوسنة

وأشار قورقماز في حديثه مع “عربي بوست” إلى أن تركيا سعت على مدار سنوات لتعزيز علاقاتها مع كل دول البلقان ومحيطها، في محاولة مسبقة وخطوة للأمام لحماية الإخوة البوسنيين في المنطقة من محيطها المضطرب.

ورأي قورقماز أن زيارة وزير الدفاع التركي أعطت دفعة معنوية قوية لأهل البوسنة، وأكدت للعالم كله قبل منطقة البلقان أن تركيا حريصة على وحدة دول البلقان، وأنها لن تسمح بعودة المنطقة إلى المربع صفر مرة أخرى، ما قد يقضي على السلم والأمن في المنطقة.

وفي رؤيتها للسياسة التركية في دول البلقان، قال قورقماز إن أنقرة لا تسعى لحل المشاكل بعد وقوعها، ولكن هدفها الرئيسي في منطقة البلقان ألا تقع الحرب، ولدى أنقرة كل الأدوات لمنع حدوث ذلك، وهو ما أكده وزير الدفاع التركي خلوصي خلال زيارته للمنطقة.

واعتبر مستشار رئيس الوزراء التركي السابق أن منطقة البلقان، والبوسنة على وجه الخصوص، لها أهمية كبيرة لدى الدولة التركية، بسبب العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تربط البلدين ببعضهما البعض، ففي تركيا الكثير من البوشناق، وبالتالي الشعب التركي لديه صلات قرابة كبيرة جداً مع البوسنيين، حتى وإن كانت اللغة غير اللغة، لكنهم في النهاية جزء من الشعب التركي بحسب قورقماز.

وفي وقت سابق من الشهر الماضي، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتبرغ، إن الخطاب الاستفزازي بجمهورية صرب البوسنة الذي يرعاه ميلوراد دوديك، زعيم الصرب في البوسنة والهرسك، يبعث على القلق، مؤكداً دعم الحلف لوحدة البوسنة والهرسك.

وتخرج ميلوراد دوديك، المولود عام 1959 في كلية العلوم السياسية في “جامعة بلغراد”، في صِربيا وترأّس “تحالف الديمقراطيين الاجتماعيين المستقلّين” عام 1996.

وانتُخب رئيساً لحكومة “جمهورية الصِّرب” مرّتين في عامَي 1998 و2006، ومن ثمّ رئيساً لـ”جمهورية الصِّرب” مرّتين أيضاً، في عامَي 2010 و2014، وهو يشغل حالياً، ومنذ عام 2018، موقع العضو الصِّربي في مجلس رئاسة البوسنة والهرسك.

ومثّل دوديك في البداية بديلاً لـ”الغرب” من “الحزب الديمقراطي الصِّربي” القومي، قبل أن تتبدّل مواقفه في وقت لاحق، إلى حدٍّ دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عليه، في عام 2017، بعد اتهامه بـ”عرقلة” تنفيذ اتفاق “دايتون”، واعتباره “تهديداً كبيراً لسيادة البوسنة والهرسك”.

مستقبل دوديك يكمن مع الغرب

وتقول وزيرة الخارجية الكرواتية السابقة، فيسنا بوسيتش، إنه “عندما اعتقد دوديك أن مستقبله يكمن مع الغرب، اعترف علناً بالإبادة الجماعية في سريبرينيتشا، ونبذ مجرمي الحرب من صِرب البوسنة، وقدّم نفسه كمؤيد قوي لوحدة البوسنة ومستقبلها في الاتحاد الأوروبي”، إلّا أنه “عندما حوّل ولاءاته لروسيا التي ترعى طموحاته الانفصالية تغير”.

وعن تجربتها الشخصية مع دوديك، تروي الوزيرة الكرواتية، في مقالة كتبتها لـ”فورين بوليسي” الأمريكية، عن لقاء جمعها به في بداية العقد الأول من القرن الحالي، حيث تقول “إن النزعات الانفصالية لدى دوديك ظهرت منذ حياته السياسية المبكرة، عندما كان لا يزال يُنظر إليه على أنه حليف للغرب، رأيت تعليقه كعلامة مُقلقة على حدوث تغيير في موقفه”.

وبحسب محللين يُعزز نظام الدولة في البوسنة والهرسك النزعات الانفصالية، حيث يرأس الدولة مجلس رئاسي من ثلاثة أعضاء من الأعراق الثلاثة: بوسني وصربي وكرواتي، يُنتخب بشكل مباشر من الشعب، كل أربع سنوات، ويتناوب على رئاسته عضو من الأعضاء كل ثمانية أشهر، ويرشح المجلس الرئاسي رئيساً لمجلس وزراء الدولة، ويوافق عليه برلمانها.

وبالنسبة إلى السلطة التشريعية، يتألف برلمان البوسنة والهرسك من غرفتين، هما: مجلس النواب ومجلس الشعب. ويبلغ عدد أعضاء مجلس النواب 42، لـ”الفيدرالية” 28 منهم، ولـ”الجمهورية” 14، ويُنتخب جميعهم وفق النظام النّسبي.

أما مجلس الشعب فعدد أعضائه 15، يُنتخبون من قبل بقية البرلمانات، على أن يكون لـ”الفيدرالية” 10، منهم: 5 من البوشناق، و5 من الكروات، ولـ”الجمهورية” 5 من صرب البوسنة، ولتمرير أي تشريع يجب أن يحصل على الأغلبية في الغرفتَين.

وبالنسبة إلى النصاب فقد تمّ تحديده بالنسبة إلى مجلس الشعب، بتسعة أعضاء من أصل الأعضاء الـ15، على أن يكون التسعة ثلاثة أثلاث، ثلث لكلّ مجموعة عرقية من المجموعات الثلاث.

ويمكن اعتبار كل من “الفيدرالية” و”الجمهورية” إدارة ذاتية قائمة بحدّ ذاتها. تحكم الأولى بنظام برلماني، ولها رئيس وحكومة وبرلمان منتخب بشكل مباشر من شعبها، ولكل كانتون من كانتوناتها العشرة حكومة وبرلمان. أما “الجمهورية” فهي تُدار بنظام رئاسي، ولها حكومة ومجلس نواب خاص بها أيضاً.

وفي تقريره السنوي الذي أرسله إلى الأمم المتحدة، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2021، يخشى الممثل الدولي الجديد في البوسنة والهرسك كريستيان شميدت، من أن “تواجه البلاد خطراً حقيقياً بالانفجار”، موضحاً أن “احتمالات تعميق الانقسامات والصراع مؤكدة للغاية”، ولذلك مددت الأمم المتحدة تفويض البعثة الأممية لضمان السلام والاستقرار في البوسنة والهرسك.

وخلص التقرير إلى أن البوسنيين الذين يأملون جميعاً في عدم عودة بلادهم مرة أخرى إلى الحرب، مذعورون من الأزمة الحالية، ما يُهدد بمزيد من الهجرة الجماعية، خاصة بالنسبة للشباب الذي يتطلع إلى حياة “طبيعية”.

ولم تقلّ حدّة موقف الولايات المتحدة، التي رعت اتفاق “دايتون”، عن تلك التي عبّر عنها الممثل السامي، إذ وصفت المندوبة الأمريكية، ليندا توماس- غرينفيلد، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، ما يقوم به عضو المجلس الرئاسي البوسني الصربي ميلوراد دوديك بـ”التهديد الخطير”.

ولتأكيد التزامها بـ”سيادة البوسنة والهرسك”، أوفدت الإدارة الأمريكية إليها مستشار وزارة الخارجية ديريك شوليت، الذي التقى أعضاء المجلس الرئاسي. كذلك أوفدت مسؤول ملفّ غرب البلقان في وزارة الخارجية، غابريل إسكوبار، الذي حذّر “جمهورية الصرب” من أن انسحابها من المؤسّسات المركزية “سيلحق الضرر” بها، مؤكداً أن مصلحة الجميع “تكمن في العودة إلى الطاولة”، أي في الحوار.

على الجانب الآخر تبرز روسيا مقدمة دعماً مباشراً لصِرب البوسنة، ولخطوات دوديك، وفق ما أكده اعتراض المندوب الروسي، فاسيلي نيبينزيا، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، على تقرير شميت، واعتباره أنه “إذا كان أيّ شخص لا يزال لديه شكّ حول حقيقة أن مكتب الممثل السّامي قد توقّف عن كونه أداة لغرض المصالحة الوطنية، فإن هذه الوثيقة المنشورة (التقرير) تزيل تلك الشكوك”.

إضافة إلى ذلك، يعتمد ميلوراد دوديك -حسب تقرير لصحيفة ميديا بارت الفرنسية- على دعم بعض “الأصدقاء” المحافظين المتطرفين في أوروبا، مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، خاصة أن “ورقة غير رسمية” نُسبت إلى رئيس الحكومة السلوفينية، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي حتى 31 ديسمبر/كانون الأول.

وتسببت الورقة التي تسعى لتعديل حدود البلقان على أساس “إثني”، بقلق كبير في البوسنة والهرسك، لأنها قد تمكن من تقسيم البوسنة والهرسك بين كرواتيا وصربيا، تاركين للمسلمين منطقة صغيرة حول سراييفو وزينيكا وتوزلا، وهي رغبة مشتركة بين القوميين الكروات والصرب بسحب المجلة الفرنسية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق