عـالـمـيـة

استراتيجية مشوشة.. رسائل متضاربة من ترامب لإيران، فماذا يريد الرئيس الأمريكي بالتحديد؟

فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نافذةً صغيرة للدبلوماسية مع إيران يوم الأربعاء، لكنه جمع إلى كلماته مجموعة من التهديدات الصريحة التي جعلت من الصعوبة رؤية كيف يمكن للبلدين الخروج من دائرة المواجهة والردود الانتقامية.

كان الخطاب، من نواحٍ كثيرة، صوتاً يعكس السياسة المشوَّشة. فقد أظهر أن ترامب، بعد ثلاث سنوات في منصبه، لم يتوصل بعد إلى حلٍّ للغريزتين المتصارعتين داخله فيما يتعلق بالأمن القومي، واللتين تكشف عنهما خطبه وتغريداته المتدفقة على تويتر: العدوانية من جهة، وفك الارتباط [إنهاء النزاعات وسحب القوات وعدم التدخل] من جهة أخرى، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

تفكيك خطاب ترامب

وقد شمل الخطاب جميع العناصر الأساسية الأخرى في خطاب ترامب السياسي المتعلق بإيران: إظهار الاستياء والامتعاض من الرئيس السابق باراك أوباما، والانتقادات للصفقة النووية التي وقعها سلفه، والمزاعم المشكوك فيها حول وقائع فعلية، وتهنئة نفسه بعام الحملة الرئاسية.

ومع ذلك، فإن ترامب لم يتراجع ببلاده بعد عن شفا الحرب، على الأقل حتى الآن. لقد أوضح فحسب أنه لا يخطط للرد على الهجمات الصاروخية على قاعدتين تعمل فيهما قوات أمريكية، وهي هجمات بدت محسوبة من قبل الإيرانيين لوضع نقطة نهاية لتلك المواجهة والحيلولة دون وقوع مزيدٍ من المذابح البشرية.

لكن ترامب وعد أيضاً بمضاعفة العقوبات المفروضة على إيران، والالتفات مرة أخرى إلى الأداة الاقتصادية التي ظل مقتنعاً بأنها ستجبر إيران في نهاية المطاف على الاختيار بين الخراب أو النجاة والبقاء. إضافةً إلى قوله إن الولايات المتحدة «مستعدةً لإرساء سلامٍ مع كل من يسعون إليه»، في حين لم يقدّم أي طريق للمضي قدماً للدولتين اللتين دامت خصومتهما 40 عاماً.
يقول كريم سجادبور، وهو محلل استراتيجي أمريكي من أصول إيرانية وباحث في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، إن خطاب ترامب «حمل بالتأكيد رسائل مختلطة إلى إيران».

ووصف سجادبور الخطاب بأنه «انتصاري في البداية»، إذ احتفل ترامب فيه بقراره اغتيال القائد العسكري الأشهر في إيران، فهو كما يقول رجلٌ مسؤول عن مقتل مئات من القوات الأمريكية، بعد ذلك انتقل الخطاب إلى الانتقادات وأعرب عن موقف رافض لإيران، ثم طرح في النهاية ما يشبه خط رجعة حيث عمد إلى الحديث عن مستقبل مشرق للإيرانيين إذا ما أعادوا تشكيل أنفسهم وفق ما تطالب الولايات المتحدة به».

احتمال الحرب مازال وارداً 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/ رويترز
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/ رويترز

وبحسب الصحيفة الأمريكية فإن الخطر الآن أن يتبين أن الإيقاف غير المستقر لإطلاق النار، والذي جاء في أعقاب إطلاق إيران 16 صاروخا في وقت مبكر من يوم الأربعاء على قاعدة تضم قوات أمريكية في العراق، كان اتفاقاً مؤقتاً. ويعج التاريخ بأمثلة قادت فيها إشارات خاطئة دولاً لتنحدر بها إلى مسارات صراع ليس في مصلحتها بلا شك، ومن أبرزها سلسلة الأحداث التي أفضت إلى الحرب العالمية الأولى. والأندر هي الأمثلة التي ساد فيها التوافق الهادئ على المصالح الوطنية للبلدان بين بعضها، كما حدث عندما تبادل الرئيس الأمريكي جون كينيدي سراً مراسلات أفضت إلى التخلص من الصواريخ السوفيتية في كوبا مقابل إبطال مفعول الصواريخ الأمريكية في تركيا في أزمة «الصواريخ الكوبية» عام 1962.

على خلاف السوفييت، لا تستطيع إيران الوصول إلى الشواطئ الأمريكية بترسانتها الحالية. ولكن الخوف المجرد في الغرب من أن إيران قد تسعى للانتقام من خلال المضي قدماً لامتلاك سلاح نووي لا يزال ورقة النفوذ الأكثر قيمة لدى إيران. وقد ساد شعور بعدم الارتياح في البنتاغون يوم الأربعاء، يتعلق بأنه على الرغم من أن إيران قد لا تطلق مزيداً من الصواريخ من أراضيها، فإنها على الأغلب ستعود إلى تخصصها المتمثل في حروب الظل والهجمات الإلكترونية.

وقال سجادبور إن الخطاب بدا «غير متماسك من الناحية الاستراتيجية». لكن ذلك يمكن القول إنه ينطبق أيضاً على كثير من سياسات ترامب المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر القليلة الماضية. فقد أمر ترامب بسحب قوة أمريكية صغيرة آمنة إلى حدٍّ كبير من سوريا، والتي كانت تعمل في المقام الأول على قتال تنظيم الدولة الإسلامية بالتعاون مع الحلفاء الأكراد السوريين، بذريعة أن الوقت قد حان لإيقاف «الحروب التي لا تنتهي». ثم قرّر عدم الرد على إيران عندما أسقطت لأول مرة طائرة أمريكية بدون طيار وأعقبتها بشنِّ هجوم بالصواريخ الموجهة على منشآت نفطية سعودية، وقد أعطى ذلك انطباعاً داخل الحرس الثوري الإيراني بأن الدولة الحليفة لأمريكا في الشرق الأوسط لم تكن تستحق عناء الدفاع عنها.

بعد ذلك، فاجأ الجميع، بمن فيهم مستشاروه العسكريون، بأمره استهداف اللواء قاسم سليماني، القائد العسكري الأبرز في إيران، بزعم أنه كان يخطط لشنِّ هجمات على أهداف أمريكية، ومع ذلك فإن الإدارة لم تفصح سوى عن قليل من التفاصيل.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/ رويترز

قرار متناقض

وقد أدّى هذا القرار بالفعل إلى مجموعة من العواقب غير المقصودة، من ضمنها إرسال آلاف من قوات الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط للدفاع عن المنشآت والمصالح الأمريكية التي لـمّح ترامب قبل بضعة أشهر فقط إلى أنها لا تستحق عناء الدفاع عنها.

يبدو أن إجابته عن هذا التناقض تمثلت في مطالبة الناتو بأداء المهمة عنه. إذ من المفترض أنه يريد من قوات التحالف عملَ دوريات في الخليج الفارسي في وقتٍ أوقفت فيه شركات الشحن نقل شحناتها عبر مضيق هرمز، وتتجنب فيه شركات الطيران التحليق في المجالين الجويين العراقي والإيراني.

كما يبدو من غير المرجح أن تستجيب دول التحالف لدعوته. إذ يذهب أعضاء بارزون في الناتو إلى أن ترامب هو الذي اختار هذه المعركة مع إيران، من خلال تخليه عن الاتفاق النووي لعام 2015 الذي جرى التوصل إليه خلال إدارة أوباما، والذي كان إيجابياً بحسب رأيهم. إضافة إلى أنهم، وكما يشكو ترامب نفسه، ليس لديهم القدرة العسكرية على تولي الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة.

يقول آر. نيكولاس بيرنز، السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو خلال الأيام الأولى من حرب أفغانستان التي شهدت تلبية القوى الأوروبية لنداء الولايات المتحدة بالمساعدة، إن «امتناع ترامب عن التشاور مع الحلفاء أو أخذ مصالحهم بعين الاعتبار سيصعّب على نحوٍ كبير الحصولَ على دعمهم. فقلة قليلة من الحلفاء هي من تثق به، وحتى هم لن ينقادوا عمياناً وراء أكثر رئيس أمريكي مناهض لحلف الناتو في تاريخه البالغ سبعة عقود».

وهذا بالتحديد ما يراهن الإيرانيون عليه. فقد كانت استراتيجيتهم قائمة على عزل أوروبا والصين وروسيا –أي الدول الأخرى المشاركة في التفاوض على الاتفاق- بعيداً عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بالموقف منها. ولفترة طويلة، نجحوا في ذلك في ظل مشاركتهم القوى الأوروبية وضع خطط معقدة للتحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

لكن وزارة الخزانة الأمريكية تمكنت في النهاية من التغلب على الاتحاد الأوروبي وخططه، ومن ثم عجزت دوله عن إقناع الشركات الأوروبية بأن التعامل مع طهران يستحق المخاطرة بقطع وصولهم إلى النظام المصرفي الأمريكي. ونتيجة لذلك، انهارت جهود إيران لتعويض إيراداتها النفطية المفقودة.

لقد استأنف الإيرانيون الآن إنتاج المواد النووية، متخلّين فعلياً عن القيود التي وافقوا عليها ضمن اتفاقهم مع أوباما. واستغل ترامب خطابه يوم الأربعاء لحث الأوروبيين على الاعتراف بأن الاتفاق النووي الذي وُقع في عهد أوباما قد بات في حكم المنتهي، وأنَّ عليهم التراجع والانضمام إلى الولايات المتحدة في موقفها الحالي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/ رويترز

ترامب والرد على الاتفاق الإيراني

وقال ترامب: «لقد حان الوقت لأن تعترف كل من المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وروسيا والصين بهذا الواقع».

الحقيقة التي لا يريد ترامب إدراكها هي أنه مذ فكك الاتفاق، أصبح العلماء النوويون الإيرانيون أقرب إلى الانضمام إلى الدول النووية بأشهر مما كانوا عليه عندما التزموا بقيود الصفقة.

في حين أن ترامب يقول الآن إن الاستراتيجية الجديدة هي ذاتها استراتيجيته القديمة: ففي يوم الأربعاء، وعد بعقوبات جديدة «قوية» ستظل «مفروضةً على إيران حتى تغيّر سلوكها». كل ذلك، وهو لم يوضح قط مصدر مشروعية العقوبات التي سبق أن فرضها حتى الآن –العقوبات التي تعد الأقسى في التاريخ الحديث، بحسب قوله- والتي فشلت في إحداث التغيير المنشود منها على امتداد الـ18 شهراً الماضية.

اعتاد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وهو من الجناح المتشدد في موقفه من إيران، وصف سياسة الإدارة الأمريكية في عهد ترامب حيال إيران بأنها سياسة: «المواجهة والاحتواء». وهو وصف يقصد إلى استدعاء أجواء الحرب الباردة، عندما كانت الولايات المتحدة تواجه عدواً أكبر وأخطر بما لا يقاس مع الاتحاد السوفيتي.

لكن ليس من الواضح ما إذا كانت سياسة الاحتواء الكلاسيكية ستنجح في عالمٍ يسهل فيه على الإرهابيين والأسلحة عبور الحدود، وحيث إن الهجمات يمكن إنكار المسؤولية عنها، والحلفاء الأوروبيون على خلاف مع بعضهم.

علاوةً على أن الاحتواء يولّد المقاومة. وقد بدا ذلك واضحاً على حساب تويتر الذي يعود لأحد المفاوضين السابقين على الصفقة النووية الإيرانية، سعيد جليلي.

فقد كان ترامب قد نشر العلم الأمريكي بعد دقائق من اغتيال اللواء سليماني، ومن ثم انتظر جليلي إلى أن ضربت الصواريخ الإيرانية القواعد الأمريكية في العراق، لينشر هو أيضاً علم بلاده إيران.

 

 

عربي بوست

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق