مقالات و أراء

استعمار كلاسيكي على أنغام فيروز

من بعد أن كان دخول الغرب لبلاد العرب ينضوي تحت مسميات استعمارية مثل الغزو والانتداب والوصاية ويكون المستعمر من خلاله متدخلاً بشكل كامل في تغيير سياسات الدولة تجاه المجتمع الدولي ، ها هو اليوم يُعاد التاريخ نفسه ليصبح دخول المستعمر الفرنسي تشريفاً وتكليف وبكل رحابة صدر وبدعوة شعبية لا تشوبها نزعة الخيانة والعمالة وانما حب الوطن ، ليصبح المستعمر الذي عانى منه الشعب وقدم الدماء والأرواح في سبيل طرده سعيا للاستقلال . ليصبح متدخلا وبشكل علني بالشؤون الداخلية في البلاد , يتحكم بسياسات الدولة داخليا بذريعة حل المشكلة بين الشعب والحكومة . 

 

 

سخط الزمان وجوره جعل مصير الشعوب يكون بين أمرين . إما حاكم ظالم او مستعمر جشع , والشبه بينهم ربطة العنق والأطماع بخيرات البلاد . 

 

ماكرون  المُخَلص .. 

تحت هذا العنوان بدأت جولة الرئيس الفرنسي في تعديل وتسوية ملفات لبنان الشائكة , ليكون ميشال عون الرئيس اللبناني ضيفا على قصر بعبدا الرئاسي بدلا من كونه حاكما عليه. أما عن ماكرون الذي حصل على تأييد شعبي ودعوات علنية بعودة هيمنة فرنسا على لبنان فقد استهل زيارته باللقاءات التشريفية الفخرية , وبدل أن يدخل الفرنسي لبنان كسابق عهده على دبابة ومدفع , دخلها على مقامات الموسيقى الفيروزية , فهل صار حتما على الشعوب أن يكونوا طوال الزمان تابعين مسيرين غير مخيرين بمن يحكمهم. 

 

 

 

سعي فرنسا بوضع تفصيلات الدولة اللبنانية جاء من بعد نشاط الدولة التركية خارج حدودها وتحديدا في إعادة حقها في البحر المتوسط وهو ما أثار حفيظة الغرب ضد الأتراك , وتحت عنوان عودة الحكم العثماني أصبح  أي تصريح تركي سببا لاجتماعات فرنسا مع الدول الاوروبية ليبحثوا كبح جماح الأتراك في إعادة أمجادهم وحرية أفعالهم . ومن هذا المنطلق ومن بعد اجتماعات حثيثة ارتأى فيها الفرنسيون الحد من نشاط الأتراك بالوقوف عثرة أمام مشروعها التمددي على حسب تعبيرهم , وذلك بالتدخل في سياسات بلدان الشرق الأوسط وتحديدا لبنان المطلة على البحر المتوسط , والتي تعتبر نقطة ارتكاز تكشف المياه الاقليمية لحدود اليونان التي تعتبر ألد أعداء تركيا. فما كان تدخل ماكرون وحكومته بلبنان الا من خلال اطماع بساحل لبنان البحري لصد التمدد التركي , ولتكون حجر عثرة أمام مشروع التماسك السني . 

اما عن الشعارات الانسانية والاخلاقية بالتطوير والتحديث واعادة الهيكلة ومكافحة الفساد من قبل الفرنسي فماهي الا وعود واهية لا تختلف عن وعود الحكومات التي مرت على لبنان , فلا تسمن ولا تغني من جوع . 

الرئيس الكلاسيكي كمندوب عن القارة الأوروبية لم يكتفي بزيارة لبنان وانما استهل الفرصة حتى يزور العراق تحت عنوان بحث ملفات الأمن والاقتصاد ودعم العلاقات بين البلدين , ولكن لم يغب عن الاجتماعات في الغرف المغلقة الحديث عن التدخل التركي الذي تريد منه تركيا تأمين حدودها وتقييد نشاط الإرهاب على أراضي العراق , ليعطي ماكرون للعراقيين أملا بمستقبل واعد مليء بالازدهار إذا ما تم الاتفاق على مسودة طلبات طويلة كان على رأسها الوقوف بوجه الاتراك كعدو وليس كبلد صديق . 

 

شعارات رنانة ووعود بغد افضل كشفها ماكرون في تصريحاتها في لبنان والعراق , ولكن الباطن اخفى خطة للاستحواذ على ما أمكن من بلاد العرب بطريقة عصرية للحد من التمدد التركي . ولا يستبعد المراقب للسياسة الفرنسية أن تتدخل فرنسا قريبا بالقضية السورية لتعطي حلولاً للمشكلة بين الشعب والنظام الحاكم على غرار تدخلها خلال السنتين الماضيتين في ليبيا وجعل المجتمع الدولي يفرض على الفرقاء الليبيين هدنة بوقف اطلاق النار حتى تلملم فرنسا وروسيا أشلاء هزائمها بسبب تقهقر جيش خليفة حفتر المدعوم غربيا وعربيا ضد حكومة الوفاق المدعومة تركيا .

 

فرنسا اليوم بتدخلها بالبلدان العربية وسط ترحيب عربي وغربي وتحت مسمى القائد المُخلص , تريد وبتفويض غربي ان تكون جسما مضادا للقوة التركية في المنطقة بحجة ارادة الشعب العربي نفسه , ولكن هل يعي عرب هذا الزمان ما هو المقابل . ومن سيدفع فاتورة شد الحبل بين الطرفين التركي والفرنسي . وهل فرنسا قادرة على العطاء وتحقيق أحلام اللبنانيين والعراقيين وهي تعيش اليوم حالة اقتصادية يرثى لها جعلت جموعاً غفيرة من الشعب الفرنسي تنام في الشوارع مطالبة حكومة القائد المخلص بحياة كريمة , فعن أي ازدهار نتحدث , وأي مستقبل ستقدمه فرنسا وهي لا تستطيع التقديم لشعبها .

 

فرنسا التي فرضها الغرب وإعطائها الصلاحيات في أن تكون وجها لوجه ضد السياسات التركية في منطقة الشرق الأوسط جعلت من نفسها موقع المرضي عنه أمام العدو الاكبر للعرب ألا وهي ايران المهيمن على البلاد التي تمت زيارتها , ففي خضم حصار دولي مطبق على ايران بسبب نشاطها النووي , ترك المجتمع الدولي ثغرة للفرنسين في أن يكونوا في وضع المفاوض من خلال نظام انستكس الشبيه باتفاقية اقتصادية بين اوروبا وايران والتي أبرمتها أوروبا وعلى رأسها فرنسا مع إيران  عام 2019 لتورد لها حاجياتها على مرأى المجتمع الدولي بطريقة قانونية لا تحملها أعباء كسر القانون الدولي الذي فرض الحصار .

فهل دخول فرنسا اليوم في عمق قضايا الدولة اللبنانية والعراقية والتدخل في شئونهم التين وكما هو معلوم تحت سلطة الإيرانيين هل هو برضى وبسبب صفقة ايرانية اوروبية باعت ايران فيها  لبنان والعراق للفرنسيين لتلملم قوتها التي بعثرتها العقوبات الدولية 

وهل فرنسا اليوم ومن بعد عشرات الأعوام من احتلالها للدول العربية تعيد التاريخ الاستعماري الخاص بها بطريقة أقل خشونة .

اللبناني أو العراقي ان نادى وصرخ فهو من جور حاكم ظالم وحكومة فاسدة وإن طالب بالتغيير وافاه ظلم وجور أكبر فأي مصير ينتظره العربي من سفاحي الغرب وهم يسلخون افريقيا شعبا ومقدرات لتكون على حسب مصالحهم . 

 

يحضرني قول الراحل محمد الماغوط حينما قال : من انتم ؟؟, نحن العرب , ماذا تشتغلون ؟؟ , نحن لا نشتغل العالم يشتغل بنا .

 

فإلى متى سنبقى نرتجي المستقبل الواعد من أناس لا هم لهم سوى نهبنا وتشردنا والى متى ستبقى وثائق سفرنا  أرقاما يعدها الغرب على أنها بطاقات تعريف ماشية يجزون صوفنا ويأكلون لحمنا متى شاءوا . 

 

 

بقلم :علاء الدين لاذقاني

كاتب سوري ومستشار في العلاقات الدولية والدبلوماسية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق