أخــبـار مـحـلـيـةاقـتصــاديـة

السيارة التركية الكهربائية تقترب من الأسواق بتوقيت حساس.. فكيف ستتجاوز تأثيرات كورونا، وهل تصمد أمام تيسلا؟

جاء الإعلان عن الانطلاق في بناء مصنع السيارة التركية الكهربائية “TOGG”، بولاية بورصة غرب تركيا، السبت 18 يوليو/تموز 2020، في وقت حساس بالنسبة لصناعة السيارات العالمية التي تواجه ركوداً غير مسبوق، بسبب جائحة فيروس كورونا.

 

 

وكان مخطط إنتاج هذه السيارة يسير في ظروف مختلفة قبل الجائحة، ولكن يلاحظ أنه عالمياً ما زال أغلب الدول تعطي أولوية للسيارات الكهربائية رغم انخفاض أسعار الوقود الأحفوري، كما أن تركيا تراهن على أن اقتصادها المحلي سيستعيد عافيته بسرعة، في ظل تجربتها الناجحة في السيطرة على الجائحة.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال افتتاح المصنع، إن الإنتاج الصناعي للبلاد في مايو/أيار، حقق زيادة بنسبة 17.4% مقارنة بأبريل/نيسان، مبيناً أن تركيا كانت بين “أسرع ثلاث دول بالعالم، في عودة عجلة الإنتاج الصناعي”.

 

 

وحدد الرئيس التركي خلال افتتاح المصنع، مدة 18 شهراً للانتهاء من بناء المصنع، وإطلاق السيارة للاستخدام نهاية 2022، قائلاً: “وبهذا سيكون أول مصنع سيارات في أوروبا يبدأ إنتاجه بصناعة سيارات رياضية كهربائية متعددة المهام”.

وأشار أردوغان إلى أن تركيا قادرة في المرحلة القادمة على إنتاج بطاريات “ليثيوم” من أجل سيارتها الكهربائية.

 

أردوغان يقف بجوار السيارة الكهربائية التركية/رويترز

وكانت تركيا قد كشفت عن السيارة الكهربائية التركية التي سيتم إنتاجها محلياً، منذ عدة أشهر، مما أثار اهتماماً كبيراً في الإعلام الدولي، في وقت أصبح يُنظر إلى صناعة السيارات الكهربائية على أنها تمثل المستقبل بمجال صناعة السيارات في العالم العربي.

وفي العالم العربي، تجاهلت الخبر وسائل الإعلام بعديد من الدول العربية التي لديها خلاف سياسي مع أنقرة، ولكنه وصل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تسبب كالمعتاد في انقسام بين المعجبين بالنموذج التركي والمتأثرين بالحملة الإعلامية المناهضة له والذين يحاولون بالتالي التقليل من أي إنجاز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ولكن بعيداً عن التسييس للسيارة الكهربائية التركية، ما هي تفاصيل هذا المشروع؟ وما مدى واقعية مشروع إنتاج هذه السيارة؟ وهل لدى تركيا الإمكانات للدخول في هذا المجال البكر.

 

نموذجان

في نهاية العام الماضي (2019)، كشفت تركيا عن أول نموذجين لسيارة كهربائية يتم إنتاجها محلياً بالكامل، قائلة إنها تستهدف في نهاية المطاف إنتاج ما يصل إلى 175 ألف وحدة سنوياً من السيارة الكهربائية في مشروع، من المتوقع أن يتكلف 22 مليار ليرة (3.7 مليار دولار) على مدى 13 عاماً.

السبت 18 يوليو/تموز 2020، وضع الرئيس التركي حجر الأساس للمصنع الذي سينتج السيارتين.

مشروع السيارة هدف قديم للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم حزب العدالة والتنمية، كدليل على قوة تركيا الاقتصادية المتنامية.

وسبق أن قال أردوغان خلال مراسم الكشف عن المشروع، إن تركيا لا تطمح إلى بيع السيارة محلياً فحسب؛ بل ترغب أيضاً في أن تصبح اسماً عالمياً، انطلاقاً من أوروبا.

وسيستفيد المشروع الجديد، الذي دُشن في أكتوبر/تشرين الأول، من دعم حكومي يتمثل في إعفاءات ضريبية وستُشيد منشأة تصنيع في بورصة بشمال غربي تركيا، وهي بالفعل مركز لصناعة السيارات في البلاد.

وقال أردوغان إن البنية التحتية لشحن السيارات بالكهرباء ستكون جاهزة على مستوى البلاد بحلول 2022.

وقبل الجائحة بلغت صادرات قطاع السيارات التركي نحو 32 مليار دولار.

وتأسس كونسورتيوم مجموعة مبادرة السيارات التركية (توج) في منتصف 2018، على يد خمس مجموعات صناعية: مجموعة الأناضول، وبي.مي.جي، ومجموعة كوك، وتركسل لاتصالات الهاتف المحمول، وزورلو القابضة، المجموعة الأمل لشركة فيستل لصناعة التلفزيون مع رعاية حكومية واسعة.

 

مصمم إيطالي

ما تم طرحه هو نموذجان للسيارة؛ أحدهما سيدان والآخر من طراز إس يو في (SUV)، الأول بقوة نحو 200 حصان وسيكون جراً أمامياً، والثاني بقوة 400 حصان مع دفع كلي.

والملاحظ أن تصميم السيارة تم بالتعاون مع المصمم الإيطالي الشهير بنين فارنيا، والتصميم مستوحى من التراث التركي، خاصةً زهرة التوليب الشهيرة التي تحتل مكانة خاصة في التراث العثماني.

وتصميم السيارة حاز إعجاب عديد من هواة السيارات في العالم العربي، ويبدو أقل ثورية من السيارة الأمريكية الشهيرة تيسلا، كما يبدو كأنه حالة وسط بين أشكال السيارات الأوروبية المماثلة وثورية التيسلا.

ويبدو أن السيارة على خطى تيسلا في أنها ليست مجرد سيارة صديقة للبيئة ولا تعتمد على الوقود الأحفوري الباهظ؛ بل تركز على كونها سيارة عالية الأداء، مع التركيز على احتوائها على مقدار من التكنولوجيا والقدرات الاتصالية بالإنترنت، وضمن ذلك إمكانية القيادة الذاتية.

كما يظهر أن السيارة تركز على اتجاه جديد في صناعة السيارات، لاسيما الكهربائية، وهي زيادة مساحة عدد الشاشات الإلكترونية بشكل يفوق تيسلا المشهورة بشاشتها الضخمة التي تشبه الحاسوب اللوحي.

تسير السيارة على نهج تيسلا في جعل السيارة كأنها جهاز لابتوب ضخم.

 

مشروع السيارة الكهربائية التركية واقعي أم نتيجة حماسة وطنية؟

تعتبر تركيا في الأصل مصدراً كبيراً بالفعل للسيارات المصنَّعة محلياً إلى أوروبا من شركات مثل فورد وفيات كرايسلر ورينو وتويوتا وهيونداي.

وتركيا ليست مجرد منتج مهم للسيارات، ولكنها واحدة من أكثر الدول تنافسية في هذا المجال، ويظهر ذلك في ارتفاع معدل تصدير البلاد للسيارات، إذ تعتبر البلاد أكبر مصدّر للسيارات لأوروبا.

وبينما معظم مصنّعي السيارات الكبار هم غالباً مستهلكون كبار بالأساس، إما دول تمتلك شركات عريقة مثل اليابان وألمانيا وأمريكا وفرنسا أو دول لديها أسواق كبيرة مع عدم تركيزها على التصدير مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا، أو دول تغلق أسواقها أمام الاستيراد مثل إيران.

بينما تنتمي تركيا إلى نوع ثالث وهي الدول التي ليست لديها شركات محلية عريقة، ولكن لديها ميزة تنافسية تجعلها محطة للتصدير إلى الدول المجاورة، ومن أبرز الدول في هذا المجال إسبانيا وجمهورية التشيك ورومانيا في أوروبا؛ أو تايلاند في آسيا؛ أو جنوب إفريقيا والمغرب بإفريقيا.

وفي هذا الصدد فإن تركيا راكمت ميزات تنافسية كبيرة في صناعة السيارات عبر موقع متوسط وشبكة اتفاقات للتجارة الحرة مع محيطها وشبكة كثيفة للصناعات المغذية للسيارات، وزاد التنافسية انخفاض سعر الليرة خلال الأزمة التي وقعت مع أمريكا العام الماضي، وهو الأمر الذي جعل أجور العمالة التركية أكثر تنافسية من دول أوروبا الشرقية كبلغاريا ورومانيا.

وهذا ما يبدو الدافع الذي جعل شركة فولكس فاغن تخطط لإنشاء مصنع ضخم جديد في تركيا، ولكنها ألغت المشروع بسبب الجدل الذي أثير بعد تدخُّل تركيا في شمال سوريا ثم ليبيا، والأهم بسبب ما تتعرض له صناعة السيارات العالمية من أزمة جراء جائحة كورونا.

يقول إردال يالسين من جامعة كونستانس للعلوم التطبيقية لموقع “دويتش فيله” الألماني (DW)، إن تركيا كانت قادرة على تحقيق تكاليف إنتاج منخفضة. “كما أن الأجور منخفضة، حيث يبلغ الحد الأدنى للأجور 420 يورو فقط في الشهر، أقل من بلغاريا (التي كانت مرشحة لاستضافة المصنع الضخم)”.

يذكر خبير صناعة السيارات الألماني فرديناند تودنهوفر بعض العوامل الإضافية التي حفزت شركة فولكس فاغن على التطلع إلى تركيا.

ويقول: “لدى تركيا شبكة قوية جداً من الموردين، ولا ننسى أننا نتحدث عن سوق مبيعات محتملة لأكثر من 80 مليون شخص”، إضافة إلى الوجود في بلد تنتج فيه شركات كبرى مثل فيات ورينو وفورد وهونداي وتويوتا .

ولكن رغم أن تركيا أصبحت جنة مصنعي السيارات، فإن صناع القرار غير راضين عن هذا الوضع.

 

تركيا تريد أن تكون لاعباً في الصف الأول

ففي النهاية أغلب السيارات التي تنتج بتركيا أو إسبانيا أو غيرها من البلدان المستضيفة لمصانع الشركات الأجنبية، لا تنتج بالكامل في هذه المصانع.

أن تكون لاعباً من الصف الأول في مجال صناعة السيارات عليك أن تمتلك العلامة التجارية والتكنولوجيا والجزء الأغلب من الربح.

فهل يمكنها أن تحقق ذلك.

يظل أصعب شيء في مجال إنتاج سيارة هو المحرك والشاسيه أو قاعدة العجلات وكذلك العلامة التجارية.

وهنا تأتي ميزة السيارة الكهربائية.

فبالنسبة للشاسيه أو منصة العجلات، فقد أفادت تقارير إعلامية بأن السيارة الكهربائية التركية سوف تعتمد على منصة من شركة ساب السويدية الشهيرة، وهي شركة عانت تاريخياً من مشكلات مادية، ولكن تظل لديها ميزة التفوق السويدي التقليدي في إنتاج سيارات فاخرة وصلبة، ومعاملات الأمان فيها مرتفعة للغاية.

وبالنسبة للمحرك فإن هذه ميزة إضافية للسيارة الكهربائية.

فليس على تركيا أن تبدأ من الصفر في محاولة إنتاج تكنولوجيا محركات الاحتراق الداخلي التي تعتمد على الوقود الأحفوري.

بل إنها وفقاً للخطة الحالية ستدخل مجالاً جديداً بطبيعته، وبالتالي فإنها لن تبدأ في سباق بدأه المنافسون قبلها بعقود؛ بل في مجال بكر ما زال جديداً للجميع حتى صناع سيارات مشهورين كالألمان.

الأهم أن تركيا لديها خبرة مسبقة في مجال إنتاج المحركات الكهربائية والبطاريات، لأن لديها تجربة في إنتاج الحافلات الكهربائية، ولديها تجارب في إنتاج محركات كهربائية أيضاً لبعض مركباتها العسكرية.

يمثل المحرك الكهربائي حلاً لمشكلات عديدة لتركيا في مجال صناعة السيارات والصناعات العسكرية، فهو يغنيها عن الحاجة للحصول على تكنولوجيا أجنبية في مجال محركات الاحتراق الداخلي اللازمة لمعدات مثل العربات المدرعة والدبابات من ألمانيا على سبيل المثال، في وقت توترت فيه العلاقة بين البلدين لأسباب متعددة، وفي الوقت ذاته فإن تركيا دولة فقيرة نفطياً؛ ومن ثم التوسع في استخدام المحركات الكهربائية بالسيارات سيقلل من فاتورة استيراد النفط التي تثقل كاهل الميزان التجاري للبلاد.

 

هل تنجح تركيا في تصدير هذه السيارة، وكيف ستتغلب على تأثيرات كورونا؟

يجب ملاحظة أن تركيا تصدّر حالياً نحو مليون سيارة إلى أوروبا، ويرتبط نجاح البلاد في تصدير السيارة الكهربائية بعدة نقاط.

الأولى الاستفادة من صناعة السيارات الناجحة في تغذية السيارة الجديدة.

والثانية بناء الصناعات التي تميز السيارات الكهربائية، وفي هذا الإطار يلاحظ أن مشروع السيارة الكهربائية يركز على اكتساب البلاد الخبرات في مجال البرمجة تحديداً عبر ما يُعرف بوادي التكنولوجيا الذي يسعى الأتراك إلى جعله رافداً أساسياً للسيارة الجديدة، وأفادت تقارير بأنه تتم الاستعانة في وادي التكنولوجيا بمتخصصين أتراك يعيشون في الولايات المتحدة إلى جانب متخصصين آسيويين.

وتعد النقطة الثالثة هي الأصعب، وهي بناء صورة العلامة التجارية.

ففي كل مكان بالعالم، فإن العميل يشتري السيارة بناء على الصورة الذهنية المكونة لديه عن طرازها وما تعكسه علامتها التجارية من مكانة اجتماعية أو خصائص كالجودة أو الأداء أو الأمان حتى إننا يمكن أن نعرف شخصية الإنسان من سيارته.

وفي هذا المجال تبرز أهم التحديات أمام مشروع السيارة الكهربائية التركية.

فإنشاء علامة من الصفر عملية صعبة، خاصةً أن أصحاب المشروع لا يقدمونها كسيارة رخيصة؛ بل يعتمدون في ترويجها على إمكاناتها، كما أن الخلافات التركية الأوروبية يمكن أن تنعكس على تسويقها.

ولكن تظل هناك سياسات متنوعة لإنشاء علامة من الصفر واكتساب ثقة العميل، وتجربة تيسلا دليل على ذلك.

إذ إن الشركة تيسلا جديدة على ساحة صناعة السيارات ولكنها أصبحت تمثل بعبعاً للشركات الألمانية العريقة.

فالسيارات الكهربائية تمثل تكنولوجيا طليعية يمكن أن ترتبط بالشركات الناشئة وليس بالضرورة بالشركات الأعرق.

ولكن التحدي الإضافي الذي سيواجه السيارة التركية الكهربائية سيكون هو جائحة كورونا وتأثيراتها المزدوجة، فالتأثير الأول للجائحة هو تراجع استهلاك السيارات بصفة عامة، نتيجة الإغلاقات والأوضاع الاقتصادية في العالم كله. أما التأثير الثاني، فهو تراجع أسعار النفط الذي يعطي قُبلة حياة للسيارة التقليدية ذات محركات الوقود الأحفوري، ولكن مما يقلل من هذه التأثيرات أن كثيراً من دول العالم، لا سيما أوروبا، تعطي امتيازات استثنائية للسيارات الكهربائية، ولن تسمح لجائحة كورونا بتبديد المكاسب التي حققتها السيارات الكهربائية بصعوبة على سيارات محركات الاختراق الداخلي.

 

هل تنافس تيسلا أم تستفيد منها؟

أصبحت شركة صناعة السيارات الكهربائية الأمريكية تيسلا أكبر منتج للسيارات من حيث القيمة السوقية في بورصة وول ستريت الأمريكية، بعدما بلغت قيمتها 209 مليارات دولار، لتتفوق على تويوتا اليابانية (أكبر شركة من حيث عدد السيارات المنتجة).

يُظهر هذا الإنجاز الذي حققته تيسلا المستقبل الواعد الذي ينتظر السيارات الكهربائية رغم جائحة كورونا.

ونشر كثير من المعلقين الأتراك مقارنات بين السيارة التركية الكهربائية والسيارة تيسلا الشهيرة.

وقد تكون إحدى نقاط التشابه بين السيارتين، أن كلتيهما شركة متخصصة في مجال صناعة السيارات الكهربائية فقط، وكذلك تركيزها على فكرة التكنولوجيا.

وتُظهر المقارنات أن السيارة تيسلا بطبيعة الحال أعلى في التسارع والسرعة، بينما السيارة التركية سوف تكون أقل في السعر، إذ قيل إن سعرها سيتراوح بين 25 ألف دولار و30 ألف دولار.

وبالتالي فإن الميزة الرئيسية للسيارة التركية، أمام تيسلا، هي السعر، وكذلك تمتُّعها بالإعفاءات الجمركية في الأسواق المحيطة بتركيا، فالسيارة يفترض أن تتمتع بالميزة النسبية للسيارات العادية في تركيا، وهي خلطة السعر التنافسي ومستوى الجودة الملائم للأسواق المحيطة، والاستفادة من سلسلة من الاتفاقات التجارية التي أبرمتها أنقرة مع جيرانها.

لن تكون السيارة التركية في أفضل حالاتها بديلاً لتيسلا بقدر ما هي استكمال لها، أو بديلاً لمن لا يستطيع أن يدفع ثمن تيسلا، وهي ستستفيد في الأغلب من نجاحات تيسلا التي ستعبّد لها الطريق عبر جعل السيارة الكهربائية موضة العصر القادم.

 

 

عربي بوست

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق