أخــبـار مـحـلـيـة

المسحراتي في تركيا… موروثٌ عثماني تتعاقب عليه الأجيال

تُعدُّ تركيا من أشهر دول العالم الإسلامي إحتفاءً بشهر رمضان المبارك، لاسيما في مدينة إسطنبول (غرب)، التي تعجُّ بآلاف المساجد، فضلا عن فعاليات كثيرة ومتنوعة ومهن خاصة مميزة خلال الشهر الفضيل.

ورغم مرور مئات الأعوام على مهنة المسحراتي في تركيا، والتقدم العلمي الكبير في أدوات التنبيه، إلا أن المسحراتي يبقى أحد أهم مظاهر الجمال الروحي في أيام رمضان.

ومع كل رمضان، تمنح المجالس البلدية في تركيا تصاريح لمن يمتهنون مهنة المسحراتي، لإيقاظ الناس من نومهم، فهي ليست مهنة عشوائية يمارسها الناس من تلقاء أنفسهم.

** مال وهدايا وحلويات
قبل رفع أذان الفجر بنحو ساعة ونصف، يتجول المسحراتي في الأزقة والحارات والشوارع، لاسيما في المدن التركية الرئيسية، والتي تربطها علاقة تاريخية وطيدة مع الدولة العثمانية (1299- 1923)، مثل إسطنبول وآفيون (غرب) وقونيا (جنوب غرب) وبورصة (شمال غرب)، وهي مدن تشكل بدورها تحفة فنية رائعة لفن العمارة والهندسة الإسلامية الذي يتلاقى مع الأجواء الرمضانية.

وعادة، يرافق المسحراتي شخص آخر ينادي بصوته، من خلال تلحين عبارات وقصائد وأشعار محفوظة: منها “قوموا إلى سحوركم”، و”قوموا إلى صلاتكم واذكروا الله”، وذلك لتنبيه الناس بأن موعد السحور قد حان.

ويبقى المسحراتي بطبلته الشهيرة أحد أبرز المظاهر الجميلة خلال شهر رمضان في تركيا، بالإضافة إلى الإفطارات الجماعية، التي تنظمها البلديات طوال الشهر الفضيل، وحلقات الذكر وقراءة القرآن الكريم.

ويأخذ المسحراتي أجرته من أصحاب الحي الذي يعمل فيه، فينتظر مجيئ منتصف رمضان ويوم عيد الفطر، حتى يمر بطبلته من أمام المنازل، فينهال الناس عليه بالهدايا والمال والحلويات، مهنئين إياها بقدوم العيد.

** ميراث الأجداد
قد يبدو للبعض أن الطبلة أصبحت مصدر إزعاج للنائمين، وأصبحت موروثا قديما تجاوزه الزمن، لاسيما بعد التقدم الكبير في وسائل التنبيه الحديثة، كمنبه الساعة والهاتف الجوال، وغيرهما، إلا أن الأتراك لا يرون ذلك مطلقا بل يصرون على التمسك بهذا الموروث العثماني، بالإضافة إلى تنظيم واهتمام الدولة بمهنة المسحراتي.

“خالد كسكن” (18 عاما) يعمل منذ أن كان عمره عشر سنوات مع والده في مهنة المسحراتي بمنطقة أوسكدار في الطرف الآسيوي من إسطنبول، قال إن “هذه المهنة هي جزء من الثقافة العثمانية التي يجب المحافظة عليها والافتخار بها”.

وعقب رفع أذان الفجر في إسطنبول، تابع الشاب التركي، في حديثه، أن “هذه المهنة هي من ميراث أجدادنا العثمانيين، ومنذ زمن قريب أصبح الاهتمام بها قليل، ولذلك نحن نحييها ونحافظ عليها، ومنذ طفولتي أعمل مع والدي في تلك المهنة”.

وأضاف أن “الشعور بأنك تنتمي إلى ثقافة وتحافظ عليها شيء جميل جداً، ويعطينا سعادة كبيرة للغاية”.

وعن حياته اليومية في رمضان، قال “كسكن”: “لدي يوميا أعمال متنوعة في التجارة والنقل وغيرهما، وبالليل أخرج لإيقاظ الناس من خلال الطبلة الخاصة بي.. هذه الثقافة يجب أن لا تندثر، حتى لو كانت مهنة المسحراتي شاقة بالنسبة لنا”.

** إكرامية رمضان

وعما يتقاضيه من هذه المهنة، قال الشاب التركي أنه “في منتصف رمضان من كل عام، أذهب إلى بيوت الناس وأقرع طبلتي أمام أبوابهم، للحصول منهم على إكراميتي (مقابل عملي)، وفي نهاية رمضان ويوم العيد أعمل الشيء نفسه”.

وتابع: “أقوم عادة مع صديقي، الذي ينادي الناس للاستيقاظ وتلبية نداء الله للسحور والصلاة، وأنا أقرع الطبلة، وهكذا نتتجول في أزقة أوسكدار حتى تنتهي مدتنا، وهي قبل رفع أذان الفجر بنحو نصف ساعة”.

ومضى “كسكن” بقوله: “عمري 18 عاما، ومنذ ثماني سنوات أعمل مسحراتي في أوسكدار، وبلدية أوسكدار تعطينا تصريحا لذلك، ونبدأ في الساعة الثانية بإيقاظ الناس، وننتهي قبل رفع أذان الفجر بنصف ساعة”.

ووفق مصادر تاريخية، فإن أهل مصر هم أول من أيقظوا الناس في شهر رمضان بقرع الطبلة، حيث كان المسحراتية، ولا يزالون في بعض المناطق، يطوفون في أزقة المدن والقرى يرددون أناشيدا دينية وينادون السكان بأسمائهم، ليستيقظوا لتناول طعام السحور والاستعداد لصلاة الفجر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق