أخــبـار مـحـلـيـة

الوجه الآخر لكورونا.. هل تؤدي الجائحة إلى تجاوز أكبر خلاف بين تركيا وأمريكا بهدوء؟

تتزايد المؤشرات على تحسن العلاقات التركية الأمريكية، وهو أمر بدأ قبل تفشي فيروس كورونا، ولكن اكتسب زخماً مع الأزمة التي خلقها الفيروس للجميع.

 

ويبدو أن توجه تركيا لعدم تفعيل الصواريخ الروسية إس 400 في موعدها المقرر أحد مظاهر هذا التحسن، حسبما قال الكاتب التركي المعارض قدري غورسيل في مقال  نشر بموقع Al-Monitor الأمريكي.

تركيا تقدم مساعدات للدول الغربية

خلال جائحة COVID-19 أثبتت تركيا نفسها كداعم رئيسي للجهود العالمية لمواجهة الفيروس، وأغلقت الحكومة المدارس والجامعات بعد يوم واحد فقط من تحديد الحالة الإيجابية الأولى في البلاد، من بين إجراءات أخرى، وكانت هذه الاستجابة أسرع بكثير من استجابة بعض الدول الأوروبية، بحسب موقع جريدة موقع صحيفة The Hill الأمريكية.

 

وقامت تركيا بزيادة خطوط إنتاج معدات الحماية الطبية وتقوم بتوزيع أقنعة مجاناً على مواطنيها، في محاولة لمنع المزيد من انتشار COVID-19.

وفي بداية الأزمة، أعلن وزير الصحة التركي فاهرتين كوكا أن تركيا أرسلت 500 ألف مجموعة اختبار لفيروس كورونا إلى الولايات المتحدة بناء على طلبها.

في أوائل أبريل/نيسان 2020، قامت تركيا بتوريد أقنعة وأطقم اختبار لدول البلقان وإيطاليا وإسبانيا، استجابةً لطلب المساعدة الذي تم إجراؤه من خلال مركز تنسيق الاستجابة للكوارث الأوروبية الأطلسية التابع لحلف الناتو.

حتى الآن، طلبت 88 دولة معدات طبية من تركيا. تم إرسال المساعدة إلى 30 دولة حتى الآن، وفقاً لوزارة الصحة التركية.

كما تتلقى المملكة المتحدة مساعدة طبية من تركيا، تصلها عبر طائرات تابعة للقوات المسلحة التركية، وهذا يشمل 100 ألف بدلة حماية من المواد الخطرة لتعزيز حماية الأطباء في المستشفيات الذين يقاتلون في الخط الأمامي لمرض COVID-19.

من أجل إدارة تعقيدات تلبية الطلبات المحلية ومساعدة الدول الأخرى في الوقت ذاته، فرضت الحكومة التركية قيوداً على الصادرات، لذا يجب على الشركات الحصول على موافقة الحكومة قبل الالتزام بتصدير معدات الحماية الطبية، التي تعد حالياً السلعة الأعلى قيمة في العالم.

تركيا لديها بعض العوامل لصالحها في مكافحة الوباء، بما في ذلك الشباب من السكان والتحسينات الكبيرة في نظام الرعاية الصحية خلال 17 عاماً من حكم أردوغان، حسبما ورد في تقرير لصحيفة فاينشيال تايمز البريطانية.

لكن في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجه دول العالم كافة، فإن تركيا تبدو راغبة في طيّ الخلافات مع شركائها الغربيين.

وهناك موضوع بعينه كان نقطة خلاف كبيرة مع الولايات الأمريكية تحديداً يبدو أن أنقرة تسعى لتجاوزه.

الصواريخ الروسية تتوارى بسبب فيروس كورونا

لولا جائحة فيروس كورونا لكانت القضية الرئيسية على جدول أعمال تركيا في شهر أبريل/نيسان هي التفعيل الذي كان مخططاً له لأنظمة الدفاع الجوي “إس 400″، التي اشترتها تركيا، عضو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من روسيا، حسب الكاتب التركي قدري غورسيل.

فبعد مدة وجيزة من بدء تسليم منظومات الدفاع الجوي، في يوليو/تموز 2019، حدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شهر أبريل/نيسان 2020، الوقت الذي ستصبح فيه منظومة الدفاع الجوي “إس 400” جاهزة للعمل في البلاد.

ثم أعاد تأكيد هذا الجدول الزمني في 5 مارس/آذار، بعد محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، حيث أبرم الزعيمان آنذاك اتفاقاً لوقف إطلاق النار في إدلب السورية. وخلال رحلة العودة إلى تركيا، قال أردوغان للصحفيين: “منظومة “إس 400″ في حوزتنا الآن بالكامل. لقد وصلت جميع الأجزاء، وستبدأ (المنظومة) في العمل في أبريل/نيسان المقبل”.

ورغم ما انطوت عليه هذه التصريحات من عزم واضح وعلى أعلى مستوى في الدولة، بدت مسألة تفعيل منظومة “إس 400” كما لو أنها غير مدرجة تماماً في جدول أعمال حكومة أردوغان، اعتباراً من 14 أبريل/نيسان.

ما الذي يمكن أن يكون وراء هذا الصمت المفاجئ عن مسألةٍ ذات أهمية استراتيجية وصلةٍ وثيقة بمكانة تركيا في العالم والسياسة الجغرافية الإقليمية؟
السبب الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو التأثير المتفاقم لوباء فيروس كورونا على الاقتصاد التركي، وهو الذي كان يعاني بالفعل مشكلات منذ الانخفاض الحاد لليرة التركية في عام 2018. ومن ثم قد يكون الأمرُ استجابةً من الحكومة لحالة الركود الاقتصادي، واختياراً ذهبت إليه لتجنب تراكم توترات جيوسياسية فوق ذلك.

والواقع أن تركيا تواجه تحديات كبيرة كغيرها من الدول بسبب أزمة كورونا.

إذ يشير تقرير صادر عن البنك الدولي، في 8 أبريل/نيسان، فيما يتعلق بالتوقعات الاقتصادية المستجدة لأوروبا ومنطقة آسيا الوسطى بعد تفشي فيروس كورونا، إلى احتمالات بأن يؤدي تفاقم الوباء والتوترات الجيوسياسية المستمرة في المنطقة إلى حدوث تراجعٍ في عائدات الصادرات والسياحة في تركيا، وصعوبات محتملة في الحصول على التمويل.

وتذهب تقديرات البنك الدولي إلى نمو الاقتصاد التركي بنسبة 0.5% فقط في عام 2020، أي أقل بثلاث نقاط مئوية عن تقديرات ما قبل الوباء.

اتفاق محتمل لتبادل العملات

وفي إشارة إلى إدراكها للتحدي المالي الذي يواجهها بسبب كورونا، تقول تقارير إن أنقرة عمدت إلى اتخاذ خطوات للاقتراب من الولايات المتحدة ودول مجموعة العشرين الأخرى بغاية إدراجها في اتفاقية تبادل عملات، بالنظر إلى أنها تواجه انخفاضاً في الاحتياطيات الأجنبية ضمن التأثيرات المتفاقمة لأعباء مواجهة الوباء العالمي.

ولذا فإن تفعيل منظومة “إس 400” وإثارة توترات تتعلق بالأوضاع الجغرافية السياسية في المنطقة، مع التحالف الغربي، لا يساعد في  الحصول على أموال من الغرب.

تحسن العلاقات التركية الأمريكية بدأ قبل كورونا.. حرب إدلب أثارت تقدير الكونغرس

فضلاً على ذلك، فإن المرجح أن يفضي تفعيل تركيا لمنظومات الدفاع الجوي الروسية إلى إزالة أثر التقدير الذي حازته أخيراً في واشنطن، وخاصةً في الكونغرس، بأدائها الحربي المميز في إدلب ضد الحكومة السورية المدعومة من روسيا وحلفائها.

إذ من خلال تمسكها بمواقعها في إدلب، رفعت تركيا من تكلفة الحرب على روسيا، وهو ما أسهم بدوره في التخفيف من النزوع العدائي المستمر منذ فترة طويلة ضد تركيا في الكونغرس، الذي بات نوابه ينظرون إلى الصراع السوري من منظور التنافس بين قوى كبرى على الهيمنة.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن قانون “تفويض الدفاع الوطني” الذي اعتمده الكونغرس وأقرّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ديسمبر/كانون الأول 2019، قبل اشتعال الصراع أخيراً في إدلب، جعل تركيا هدفاً محتملاً للعقوبات الأمريكية مرة أخرى، بسبب شرائها لمنظومات “إس 400”. ويشدد أحد بنود القانون، المتعلقة  “بالقيود على تصدير مقاتلات إف 35 إلى تركيا”، على أن شراء تركيا لمنظومات الدفاع الجوي من طراز “إس 400” يعد “تعاملاً تجارياً معتبراً” مع روسيا، بموجب قانون “مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات لعام 2017″، ومن ثم يقتضي من الرئيس الأمريكي توقيع العقوبات ذات الصلة.

بوتين عرض على أردوغان شراء طائرات سوخوي بدلا من أف 35 الأمريكية/رويترز

وبموجب قانون “تفويض الدفاع الوطني” الأمريكي، لا يحق لتركيا الاندراج في الإعفاءات ما دامت تحتفظ بمنظومات “إس 400″، حتى ولو لم تفعّلها. إذ يعيّن القانون إزالةَ المنظومات من الأراضي التركية شرطاً مسبقاً لتجنب العقوبات.

وجاء تحذير أمريكي جديد بشأن هذه القضية من المندوبة الأمريكية الدائمة في الناتو، كاي بيلي هتشيسون، قبل اجتماع وزراء خارجية الناتو الذي عقد في 1 أبريل/نيسان. فقد قالت للصحفيين، ضمن حديث بشأن الصراع الجاري في إدلب: “نأمل أن يدفع العدوان الروسي السوري الأتراك إلى التخلص من منظومة الدفاع الصاروخي [الروسية] المنصوبة في قلب أنقرة، ليتيحوا لنا العمل بحرية على مساعدتهم مساعدةً كاملة في حماية هؤلاء المدنيين الأبرياء في سوريا”.

العنصر الأساسي في المساعدة المحتملة التي أشارت إليها المندوبة الأمريكية هو نشر بطاريات باتريوت الأمريكية في تركيا.

ترامب يلوم أوباما

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد سبق وانتقد عزوف إدارة أوباما عن بيع صواريخ باتريوت إلى تركيا في عام 2013، في ذروة خلافها مع روسيا حول الأزمة السورية، قائلاً إن تركيا لم تعامل معاملة عادلة بصفتها عضواً في الناتو. “لذلك يجب أن أخبركم أن أردوغان هو عضو في حلف شمال الأطلسي وهو صديق وبالتالي عليك أن تعامله بنزاهة”.

وأضاف ترامب “أن إدارة أوباما لم يسمحوا لتركيا بشراء الصاروخ الذي أرادوا شراءه وهو باتريوت. وبعد أن اتجهت تركيا للبديل يقولون الآن إننا سنبيعك باتريوت”.

أردوغان مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما/رويترز

وبالنظر إلى كل ذلك، فإن تفعيل منظومات “إس 400” الروسية في ظل الأوضاع الحالية قد يفضي إلى تبديد المزاج الإيجابي الذي أحدثته العملية العسكرية التركية في واشنطن، خاصة في الكونغرس، وإعادة إحياء الآراء التي تميل إلى معاقبة أنقرة.

يقول الكاتب التركي “لذا، من الوجاهة هنا أن نتساءل عما إذا كان تفعيل منظومات “إس 400″، ومن ثم تعقيد مساعي أنقرة للحصول على تمويلات أجنبية سيكون خطوةً حكيمة في وقتٍ يواجه الاقتصاد التركي التداعيات المتفاقمة لجائحة فيروس كورونا”.

ومع انتهاء النصف الأول من أبريل/نيسان بالفعل، فإن صمت الحكومة التركية عن أي شيء يتعلق بمنظومة “إس 400” قد ينمّ عن قرارٍ مضمر بعدم تفعيل منظومات الدفاع الجوي الروسية، خاصةً بعد أن أصبحت الأوضاع تنطوي على مخاطر كبيرة في غير صالح تركيا.

كما أن الصراع المشتعل في إدلب أدى إلى أن ديناميكيات العلاقة مع روسيا قد تغيرت.

ومع أن حاجة تركيا إلى منظومة دفاع جوي صاروخي عالي الارتفاع لا تزال قائمةً لم تتغير، فإن الأسباب الداعية إلى عدم تفعيل منظومة “إس 400” باتت تفوق تلك التي تدعو إلى تفعيلها. فقد أدى الوباء وحالة الركود الاقتصادي المرافقة له إلى تقليص هامش المناورة التركي بين روسيا والولايات المتحدة، بحيث لم تعد هناك مساحة كافية لاتخاذ قرار كتفعيلِ منظومة “إس 400”.

الخيار الأفضل لتركيا الآن هو الإبقاء على الوضع الراهن بقدر الإمكان: أي عدم تفعيل منظومة “إس 400″، وفي الوقت نفسه عدم بيعها أو عدم التخلص منها.

 

 

 

 

المصدر مترجم عربي بوست

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق