أخــبـار مـحـلـيـة

بداية متأخرة ونتائج لافتة.. قصة برنامج الصواريخ الباليستية التركي وماذا حقق في سنوات معدودة؟

أجرت تركيا قبل بضعة أشهر اختباراً لصاروخ باليستي، اعتُبر تطوراً لافتاً في برنامج الصواريخ التركية الباليستية، الذي يعد الجانب الأقل شهرة والأقل إثارة للضجة في برامج التسليح والتصنيع العسكري التركي، ولكن هذا الغموض المحيط بـ”الصواريخ التركية”، لفت انتباه المهتمين بهذا المجال، وكذلك أثار قلق اليونان جارة أنقرة اللدود رغم قصر عمره النسبي.

 

 

وأفادت وكالة بلومبيرغ أن تركيا أجرت تجربة صاروخ باليستي قصير المدى فوق البحر الأسود في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2022. ويُعتقد أنه تم تطوير الصاروخ المسمى تايفون، بواسطة مركز الصواريخ والصواريخ التركي روكيتسان.

وقال الخبراء إن الاختبار دليل مواصلة إحراز التقدم في برنامج الصواريخ التركية الباليستية، وأن أنقرة ستكون أقل اعتماداً على الموردين الخارجيين مثل الولايات المتحدة، حسبما ورد في تقرير لموقع Arms Control Association

 

 

تركيا أطلقت صواريخ تكتيكية من قبل، ولكن هذا أول صاروخ باليستي قصير المدى

 

ويُعد اختبار تايفون، الذي يعد أول إطلاق لصاروخ باليستي تركي قصير المدى (SRBM) فوق البحر الأسود، بمثابة تذكير بأن أنقرة تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ، كما يشير إلى مساعيها إلى توسيع وتعزيز تلك الترسانة، حسب وصف Forbes الأمريكية.

وتم إطلاق الصاروخ من قاذفة متحركة في ريزي، وحلَّق مسافة 561 كيلومتراً، وسقط في المياه قبالة الساحل بالقرب من ميناء سينوب. وذكرت مجلة Forbes أن هذه المسافة هي ضعف مدى الصواريخ الباليستية المعروفة في الترسانة التركية.

وقبل ذلك أجرت أنقرة تجارب وأدخلت للخدمة صواريخ باليستية تكتيكية.

والصواريخ الباليستية التكتيكية (TBM)”، هي صواريخ يصل مداها إلى 300 كيلومتر؛ بينما تُعرف الصواريخ الباليستية التي يتراوح مداها بين 300 و 1000 كيلومتر بأنها “صواريخ باليستية قصيرة المدى”.

 

 

كيف تطوّر برنامج الصواريخ التركية الباليستية رغم بدايته المتأخرة؟

 

الصواريخ الباليستية؛ هي أنظمة صواريخ يمكنها حمل رأس حربي كيميائي أو بيولوجي أو نووي و/ أو تقليدي (شديد الانفجار) أو أكثر ويمكنها توجيه هذه الرؤوس الحربية إلى أهداف مختلفة.

وتعتبر الصواريخ الباليستية مصدر إزعاج دفاعي لمعظم الدول، فهي شائعة جداً ويصعب اكتشافها وتدميرها.

وأحرزت تركيا تقدماً في برامج الصواريخ كروز التي تتبع مساراً محاذياً لسطح الأرض، عكس المسار شبه البيضاوي للصواريخ الباليستية؛ وذلك بفضل تقدمها في مجال الصواريخ المضادة للطائرات، والسفن والتي تشبه تقنياتها صواريخ كروز.

ولكن على العكس، فإن برنامج الصواريخ التركية الباليستية، يبدو أكثر غموضاً، خاصة أن تركيا بدأت به متأخرة مقارنة بدول ذات ظروف ووضع مشابه، فهو أحدث كثيراً من برامج الهند وباكستان وإيران ومصر (بدأت برنامجها في الستينيات)؛ وهو ما يجعل المدى الذي وصل إليه أقل من هذه الدول في الأغلب (باستثناء القاهرة).

ولكن يعتقد أن برنامج الصواريخ التركية الباليستية، قطع شوطاً كبيراً مقارنة بحداثة عمره، كما يعتقد أنه نظراً لتطوير التكنولوجيا العسكرية في مجال الاتصالات والتوجيه وعلاقتها بالغرب أن الصواريخ التركية الباليستية قطعت شوطاً جيداً في مجال الدقة، مقارنة بالمدى.

وهناك تقارير عن مشروعات تركية لإنتاج صواريخ باليستية، تعود بدايتها لتسعينيات القرن العشرين بالتعاون مع باكستان والصين.

بدأ تعاون تركيا مع الصين وباكستان من أجل التطوير المشترك للصواريخ الباليستية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بعد فشل المفاوضات بشأن نقل التكنولوجيا والإنتاج بموجب ترخيص في تركيا لنظام الصواريخ المدفعية الأمريكي M-270 MLRS.

ولذا قررت تركيا البحث عن بدائل أخرى، مع التركيز بشكل أساسي على الحيازة الكاملة للتقنيات الحيوية من أجل إنشاء بنية تحتية وطنية مكتفية ذاتياً لتصميم وتطوير الصواريخ الموجهة. بعد توقيع عقد الإنتاج المرخص لصواريخ WS-1A و WS-1B الصينية تحت اسم Kasırga في عام 1997، تم توقيع عقد مماثل مع CPMIEC (الشركة الصينية لاستيراد وتصدير الآلات الدقيقة) لـ B-611 SRBM الصينية في عام 1998.

وتفيد تقارير بأن أنقرة لديها نظام صاروخي باليستي دخل الخدمة يدعى J-600T Yıldırım،  المصمم لمهاجمة أهداف عالية القيمة؛ مثل منشآت الدفاع الجوي للعدو ومراكز C3I والخدمات اللوجستية ومرافق البنية التحتية، بالإضافة إلى توفير الدعم الناري للمدفعية الصديقة عن طريق توسيع منطقة التأثير.

ويعتمد تصميم J-600T على الصاروخ B-611 SRBM الذي طورته CASIC (شركة علوم الفضاء الصينية والصناعة) كنظام صاروخي تكتيكي منخفض التكلفة، بمدى يصل إلى 250 كم في الإصدارات المحسنة مثل B-611M، ولكن أكد مسؤولو شركة CPMIEC الصينية الدفاعية في المعرض العسكري IDEF 2007 في أنقرة أن B-611M، لم يكن جزءاً من برنامج التعاون الصيني التركي.

تم تكليف شركة ROKETSAN التركية بمهمة تحسين نطاق وأداء وتصميم J-600T.

ويقال إن Roketsan تعمل على نسخة محسنة من J-600T، ولكن تفاصيل قدراتها مضاربة للغاية في الوقت الحالي.

ونظراً لأن النظام قد تم الكشف عنه لأول مرة للجمهور بعد أكثر من 7 سنوات من تقديمه للخدمة، فمن المتوقع أن تظل المعلومات حول الإصدار المحسن، إن وجدت، سرية لبعض الوقت.

ويعتقد أن الصاروخ  J-600T Yıldırım به عدة نسخ عاملة مداها بالترتيب 150 كم، و300 كم، وهناك تقارير عن مدى يصل إلى 900 كم، إضافة إلى نسخة قيد التطوير تحاول أنقرة الوصول بها إلى مدى 2.500 كم، ويقال إن سرعته أعلى من سرعة الصوت.

ويتم التحكم في رحلة الصاروخ بواسطة (نظام الملاحة بالقصور الذاتي) الذي يغذّي مدخلات أوامر تصحيح المسار للأجنحة المتحركة الأربعة.

 

 

صاروخ بورا التركي تم استخدامه ضد حزب العمال ويتم تصديره لإندونيسيا

 

في عام 2017، كشفت تركيا عن صاروخ بورا (Bora) الباليستي التكتيكي، الذي يمكنه إصابة أهداف تصل إلى 280 كيلومتراً.

وبورا هو صاروخ باليستي تكتيكي طورته شركة ROKETSAN التركية، يبلغ قطره 610 مم، وطوله 8.0 م، ووزنه الإجمالي 2500 كغم، نسخة التصدير الخاصة به تسمى خان، تم اختباره ودخل الخدمة في مايو/أيار 2017. اكتملت عمليات التسليم في أوائل عام 2021.

ووفقاً لشركة روكتسان، فإن بورا 1 لديه رأس حربي يبلغ وزنه 470 كيلوغراماً وهو دقيق التوجيه، علماً بأن أنظمة التوجيه في Bora-1 أمريكية الصنع، حسب ما ذكرت مجلة فوربس.

وأفادت تقارير بأن تركيا أطلقت صاروخ بورا للمرة الأولى تجاه هدف لحزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان العراق في عام 2019 خلال عملية المخلب، وفقاً لـ Forbes، يتوافق صاروخ Bora مع نظام التحكم في تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)، وهي معاهدة دولية تفرض حدوداً على مدى الصواريخ المسموح بتصديرها وهي اتفاقية تركيا عضو بها.

وتهدف MTCR، وهي مجموعة تطوعية، إلى الحد من انتشار الصواريخ الباليستية وأنظمة الإطلاق الأخرى غير المأهولة التي يمكن استخدامها في هجمات كيميائية أو بيولوجية أو نووية. ويحث النظام أعضاءه على الحد من صادراتهم من الصواريخ والتقنيات ذات الصلة القادرة على حمل حمولة 500 كيلوغرام ومدي لا يقل عن 300 كيلومتر.

وفي نوفمبر/تشرين الأول 2022، وقعت شركة روكيتسان التركية عقداً مع إندونيسيا لتزويدها بصواريخ خان (النسخة التصديرية من صاروخ بورا)، ونظام دفاع جوي متعدد الطبقات.

وهذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها نظام صواريخ بورا الباليستية التي أثبتت كفاءتها في المعارك، إلى مخزون قوة أخرى غير الجيش التركي، حسب موقع defensenews.

 

 

صاروخ تايفون الأطول مدى في ترسانة الصواريخ التركية الباليستية

 

واستمراراً لعملها على تطوير الصواريخ التركية الباليستية الأكثر تقدماً، طورت Roketsan صاروخ تايفون (TAYFUN)، الباليستي.

ومن المتوقع أن يتم إدخال صاروخ TYPON، الذي تم اختبار إطلاقه بنجاح، في المخزون العسكري التركي في المستقبل القريب، حسب مجلة فوربس الأمريكية.

وأصبح تايفون أول صاروخ باليستي قصير المدى في تركيا، أي أن القوات المسلحة التركية، التي عُرفت بامتلاكها القدرة على الصواريخ الباليستية التكتيكية منذ التسعينيات، صعدت إلى فئة أعلى في هذا المجال لأول مرة.

وأصبح صاروخ تايفون، الذي يشبه إلى حد كبير من الناحية الهيكلية صاروخ بورا الباليستي، نظام الصواريخ التركي الأطول مدى حتى الآن.

ومع تايفون، ستكون القوات المسلحة التركية قد وصلت إلى قدرة ردع مهمة، حيث إنه أول صاروخ اختبرته تركيا ويتجاوز حد مسافة نظام MTCR الذي يضع حدوداً على المدى الخاص بالصواريخ التي يتم تصديرها.

وزن حمولة الصاروخ غير معروف، وفقاً للتقارير الأولية، تم اختبار صاروخ Tayfun (باللغة التركية لـ “Typhoon”) الذي طورته شركة Roketsan  التركية من منصة إطلاق متحركة في مدينة ريز على ساحل البحر الأسود. قطع الصاروخ مسافة 350 ميلاً قبل أن يتحطم قبالة ساحل ميناء سينوب على البحر الأسود. تلك المسافة هي ضعف مدى الصواريخ الباليستية الحالية في الترسانة التركية، أو على الأقل تلك المعروفة.

“هيكل الصاروخ تايفون يشبه إلى حد بعيد هيكل “بورا”، وفقاً للإعلام التركي، وربما من المحتمل أيضاً، أن يكون Tayfun هو نفس المشروع الهداف لتطوير Bora-2.

 

 

كيف سيغير وضع تركيا في المنطقة؟

 

على الأرجح أن تركيا لا تنوي تصدير تايفون، لأن مداه يتجاوز نظام منع تصدير الصواريخ، وأنقرة عادة تلتزم بالاتفاقات الدولية.

ولكن تركيا قد ترغب فقط في صاروخ بعيد المدى لتعزيز قدرتها على الردع.

وأشارت ورقة أكاديمية صدرت عام 2017 إلى أن “اعتبارات السياسة الخارجية والجيوستراتيجية والتكنولوجية والتكلفة، يبدو أن النطاق الأمثل للصواريخ الباليستية التركية يبلغ حوالي 800 كيلومتر (500 ميل)”.

وتقول مجلة فوربس الأمريكية إنه من غير الواضح ما إذا كان توقيت اختبار 18 أكتوبر/تشرين 2022 يهدف إلى إرسال رسالة معينة.

وعلى عكس إيران المجاورة، التي لديها أكبر برنامج للصواريخ الباليستية في المنطقة وتغتنم كل فرصة للتباهي بصواريخها واستعراضها أمام الجمهور، كانت تركيا حذرة تماماً بشأن امتلاك مثل هذه الأسلحة.

برنامج الصواريخ التركية الباليستية
صاروخ تركي أرض-أرض من ظرا ATMACA يوليو/تموز 2022- وزارة الدفاع عبر رويترز

وتعد طهران منافساً وشريكاً لتركيا في الوقت ذاته.

 

وفي هذا الإطار، زعم موقع Middle East Eye البريطاني أن لقطات اختبار الصاروخ تسربت عن طريق الخطأ، وأنها لقيت حفاوة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن السلطات التركية المختصة حاولت تحجيم نشرها على وسائل الإعلام.

وتزامنت تجربة 18 أكتوبر/تشرين الأول 2022 مع التوترات مع اليونان، والتي جددت المخاوف من اندلاع حرب بين البلدين العضوين في الناتو. ونشر مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الأتراك خرائط توضح كيف تقع اليونان بأكملها في مرمى الصواريخ التركية الباليستية، علاوة على ذلك، فإن المسؤولين الأتراك غاضبون من التوسع والتحديث الواسع النطاق للقوات المسلحة اليونانية، واختراق أثينا اتفاقات عدم عسكرة الجزر اليونانية القريبة من شواطئ تركيا.

ومطلع الشهر الماضي، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليونان من أن الصواريخ التركية يمكن أن تصل إلى أثينا.

وقال أردوغان، خلال كلمة ألقاها في سامسون بشمال تركيا في بداية شهر ديسمبر/كانون الأول 2022: “لقد بدأنا الآن في صنع صواريخنا بأنفسنا”. “بالطبع، هذا الإنتاج يخيف اليونانيين، عندما تقول (تايفون)، يخاف اليوناني ويقول، (ستضرب أثينا)، حسناً، بالطبع ستفعل”.

واهتمت وسائل الإعلام اليونانية بهذه الاختبارات بشدة، وقال الجنرال اليوناني المتقاعد فرانجوليس فراغوس، في حديث له مع محطة إي آر تي اليونانية، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمر قطاع الدفاع التركي بتصميم صاروخ يمكن أن يصل إلى مدى قدره 2500 كيلومتر.

وقال: “سيمنح تركيا القدرة على السيطرة على المنطقة الأوسع وتعزيز دورها كقوة إقليمية”.

وقال مسؤول متقاعد في سلاح الجو اليوناني، كونستانتينوس إياتريديس، لصحيفة تانيا اليونانية إن تايفون بحاجة إلى الخضوع للعديد من الاختبارات حتى يصبح جاهزاً للعمل.

وأضاف: “وفقاً للخبراء المشاركين في بناء أنظمة الأسلحة هذه، فإن الأمر يستغرق ما لا يقل عن سبع إلى ثماني سنوات لتصبح جاهزة للعمل”.

ولكن ربما كانت تركيا تعتزم أيضاً إظهار الامتداد المتزايد لقوتها النارية إلى روسيا، حسب Forbes؛ حيث توجد مصالح متباينة بين أنقرة وموسكو في البحر الأسود ومناطق أخرى.

عربي بوست
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق