عـالـمـيـة

بها مصر وقطر والإمارات وتركيا.. ما قصة مجموعة “سيكا” التي تريدها روسيا في مواجهة الغرب؟

عُقدت الخميس 13 أكتوبر/تشرين الأول في العاصمة الكازاخستانية، الدورة السادسة لمؤتمر “التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا” المعروف اختصاراً بـ(سيكا)، وتهدف هذه القمة إلى ترسيخ السلام والحوار بين الدول الأعضاء.

 

خلال افتتاحية المؤتمر في العاصمة أستانا، قال رئيس كازاخستان قاسم جومرت توكاييف إن التوقعات التي تكهنت للقرن الحادي والعشرين بأنه سيكون قرن آسيا أصبحت الآن حقيقة واقعية.

يأتي انعقاد هذه القمة في ظل توترات وصراعات متجددة يشهدها العالم ومنطقة أوراسيا خصوصاً، لتحتفل بذكرى تأسيسها الـ30.

 

 

ما هي منظمة سيكا؟

جاءت فكرة تنظيم المؤتمر (سيكا) عن طريق مبادرة طرحها لأول مرة الرئيس المؤسس كازاخستان نور سلطان نزارباييف في 5 أكتوبر/تشرين الأول عام 1992 خلال الدورة الـ47 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبدأت سيكا نشاطها رسمياً في مارس/آذار عام 1993.

تعد سيكا منتدى للحوار والتشاور بشأن قضايا الأمن الإقليمي في آسيا، وهدفها الرئيسي هو تعزيز التعاون، من خلال إجراءات بناء الثقة متعددة الأطراف من أجل الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار في آسيا.

تضم القمة اجتماعات لرؤساء الدول ووزراء الخارجية كل أربع سنوات، وتنتقل رئاسة المؤتمر بالتناوب كل عامين، حيث تتولى رئاستها الدولة التي تنظم قمة رؤساء الدول واجتماع وزراء الخارجية.

وتأتي هذه القمة برعاية رئيس كازاخستان جومرت توكاييف، وبمشاركة أكثر من 10 رؤساء دول بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بجانب قادة دول (أذربيجان وإيران والعراق وقيرغيزستان وباكستان وفلسطين وطاجيكستان وأوزبكستان)، بالإضافة إلى نحو 50 وفداً رفيع المستوى من الدول الأعضاء والمراقبة، ومن بين الضيوف الآخرين الرئيس البيلاروسي ونواب الرئيس من فيتنام والصين.

من هم الأعضاء الدائمون بها؟

تتكون سيكا من 27 دولة كأعضاء دائمين وهي: تركيا، وروسيا، والصين، ومصر، أفغانستان، وأذربيجان، والبحرين، وبنغلاديش، وكمبوديا، والهند، وإيران، والعراق، وإسرائيل، والأردن، وكازاخستان، وكوريا الجنوبية وقيرغيزستان، ومنغوليا، وباكستان، وفلسطين، وقطر، وطاجيكستان، وتايلاند، والإمارات العربية المتحدة، وأوزبكستان، وفيتنام، وسريلانكا.

 

بالإضافة إلى 13 مراقباً منهم دول ومنظمات دولية هي: الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والمنظمة الدولية للهجرة، والجامعة العربية، والجمعية البرلمانية للدول الناطقة باللغة التركية، وبيلاروس، وإندونيسيا، واليابان، ولاوس، وماليزيا، والفلبين، وأوكرانيا، والولايات المتحدة الأمريكية.

يتم داخل إطار المنظمة إنشاء آلية اجتماع لانعقاد قمة رؤساء الدول، واجتماع وزراء الخارجية، واجتماع لجنة كبار المسؤولين، واجتماع مجموعة العمل الخاصة.

 

ويكمن هدف منتدى سيكا في توسيع التعاون التجاري والاقتصادي، وزيادة التعاون من خلال تطوير مناهج متعددة الأطراف لضمان السلام والأمن والاستقرار في آسيا، إلى جانب محاربة الإرهاب بجميع أنماطه ومظاهره.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يظهر على شاشة خلال القمة السادسة لمؤتمر(CICA)/ بول عبر رويترز

 

 

ما أهمية هذه القمة؟

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي على يد رئيسه الأخير ميخائيل غورباتشوف، حلت فترة اتسمت باضطرابات معقدة للمجتمع الدولي نتيجة هذا الانهيار المفاجئ لأحد قطبي النظام العالمي حينها، وأكثر من غيرها تعرضت منطقة أوراسيا لزيادة في عدد النزاعات العسكرية والسياسية، مما أنتج اضطرابات مجتمعية عميقة داخل دول هذه المنطقة.

لذا جاءت فكرة تأسيس هذا المنتدى، للعمل على إنشاء ترابط اقتصادي وسياسي بين عدد كبير من الدول.

ولا تختلف الظروف الدولية اليوم كثيراً عن تلك الفترة، إن لم تكن تبعاتها الاقتصادية والسياسية أشد وطأة، ففي ظل شبه استقطاب عالمي جديد بين الشرق والغرب، تشهد الساحة العالمية تنافساً اقتصادياً صينياً أمريكياً، وتنازعاً عسكرياً بين روسيا والغرب بأكمله، وهذا المناخ التنافسي يعطي أهمية كبيرة لهذه القمة.

هذه القمة وما سبقها من قمة في سمرقند لمنظمة شنغهاي للتعاون، والتي التقى فيها الرئيسان الصيني والروسي لأول مرة منذ الحرب في أوكرانيا، يمكن النظر لهذه الاجتماعات كمساعٍ حثيثة وخطوات فعلية أولى لبناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

فبدون مبالغة وخلافاً للقوة العسكرية الجبارة التي تمتلكها روسيا والصين وتركيا وإيران، تمتلك الدول المشاركة في هذه القمة وسابقتها أكثر من 90% من أراضي القارة الآسيوية، وتمتلك موارد هائلة وإمكانات فكرية متنوعة، إلى جانب ممرات بحرية وبرية وأسواق سريعة النمو تنتج مجتمعة أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وثلثي النمو الاقتصادي العالمي.

وتتوازى هذه الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية مع إرادة سياسية حقيقية لدى رؤساء تلك الدول لتغيير النظام العالمي، يعبرون عنها دائماً في تصريحاتهم من أجل التصدي “للهيمنة الغربية”.

فمثلاً خلال فعاليات قمة سمرقند 2022، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ إنّ “على القادة العمل معاً على التشجيع على قيام نظام دولي يسير في اتجاه أكثر عدلاً وعقلانية”، كما أكّد الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أنّ الأحادية الأمريكية تسعى لإبقاء دول العالم في حالة من التخلف، بينما اعتبر بوتين أن الدور المتعاظم لمراكز النفوذ الجديدة يتضح بشكل متزايد.

دئماً ما يكرر أردوغان ما يراه قادة تجمع “سيكا”، ففي اجتماعات كثيرة عبَّر عن رغبات ورؤية سياسية كتلك، وانتقد بشكل صريح فكرة الهيمنة على مجلس الأمن، حين قال: “ليس عادلاً ذلك الفكر أو الكيان الذي يدّعي أن العالم ليس أكبر من خمسة دول، ويرهن مصير العالم بمشيئة دولة واحدة”، في إشارة إلى انتقاد صريح لديناميكية عمل مجلس الأمن الدولي، وقيادة النظام العالمي من قِبل الولايات المتحدة وحدها.

بوتين يحتفل بعيد ميلاد رئيس الصين/رويترز

وفي مقابل هذه الرؤية والمساعي لصنع نظام عالمي جديد، أكدت الولايات المتحدة 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022، أنها ستعطي الأولوية للتفوق على الصين التي تعتبرها منافسها العالمي الوحيد في وقت تعمل أيضاً على كبح جماح روسيا الخطرة، على حد قولها.

وطرح البيت الأبيض وثيقة مكونة من 48 صفحة، نصت على تبني استراتيجية للأمن القومي تسعى إلى احتواء صعود الصين، بينما تعيد التأكيد على أهمية العمل مع الحلفاء للتصدي للتحديات التي تواجه الدول الديمقراطية.

وأعلن البيت الأبيض في استراتيجيته أن عشرينيات القرن الـ21 ستكون “عقداً حاسماً لأمريكا والعالم”، وأوضح من خلالها أن التحديات الأكثر إلحاحاً التي تواجه رؤيتها، هي القوى التي تجمع بين الحكم الاستبدادي وسياسة خارجية تحريفية؛ في إشارة واضحة للصين ونظامها غير الديمقراطي وروسيا وتوسعها العسكري.

تفتح مثل هذه القمم والاجتماعات دائماً المجال أمام مزيد من الجدل حول مدى قدرة تلك الدول مجتمعة على تغيير قواعد النظام الدولي وإعادة هيكلة بنيته، والقضاء على حالة الأحادية القطبية، والحقيقة أنه لا يمكن الجزم ولا النفي بإمكانية التغيير، نظراً لأن عملية تغيير كهذه لا تتوقف عند الرغبة السياسية والقوة الاقتصادية، بل تتطلب المزيد من الوقت والمزيد من تطبيق السياسات والإجراءات الروسية والصينية تحديداً باعتبارهما من يقودان موجة التغيير. حيث ما زالت اجتماعات مثل منتدى سيكا ومنظمة شنغهاي تحتاج لأن تأخذ الطابع المؤسسي المستقر والفعال كالاتحاد الأوروبي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق