أخــبـار مـحـلـيـة

تركيا: الشعب والحكومة والمعارضة يتوحدون غضباً من تلويح بايدن بالإطاحة بأردوغان

فجّرت تصريحات مرشح الرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي جو بايدن التي لوح فيها بنيته دعم المعارضة التركية للإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الحكم، موجة عارمة من الغضب في صفوف عامة الشعب التركي من كافة توجهاته السياسية، وتوحدت الحكومة والحزب الحاكم وكافة أحزاب المعارضة على اختلاف توجهاتها في رفض وإدانة هذه التصريحات بأقسى العبارات. 

وبشكل مفاجئ، انتشر على نطاق واسع في وسائل الإعلام التركية ومواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لبايدن وهو يدلي فيه بتصريحات حول تركيا وأردوغان، وعلى الرغم من أنه تبين أن هذه التصريحات أدلى بها بايدن لمحرري صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، إلا أنها انتشرت، السبت، على نطاق واسع وأصبحت القضية رقم واحد في تركيا رسمياً وشعبياً. 

بايدن عبر عن نيته اتباع نهج جديد في السياسة اتجاه تركيا وأردوغان الذي وصفه بـ”المستبد”، ملوحاً بنيته دعم أحزاب المعارضة التركية للإطاحة بأردوغان

وفي تصريحاته يشير بايدن إلى نيته اتباع نهج جديد في السياسة اتجاه تركيا وأردوغان الذي وصفه بـ”المستبد”، ملوحاً بنيته دعم أحزاب المعارضة التركية للإطاحة بأردوغان، لافتاً إلى أن بلاده دعمت فوز مرشح المعارضة في انتخابات بلدية إسطنبول، منتقداً سياسات تركيا اتجاه الأكراد وفي سوريا وشرق المتوسط والتعاون التركي مع روسيا والخشية على مصير القواعد العسكرية الأمريكية في تركيا. 

وقال بايدن: “ما أعتقد أنه يجب علينا فعله هو اتباع منهجية مختلفة جدا معه (أردوغان) الآن، بأن نجعل الأمر واضحا أننا ندعم قيادة المعارضة”، مضيفاً: “على واشنطن أن تشجع قادة المعارضة التركية ليكونوا قادرين على التغلب على أردوغان وهزيمته. ليس من خلال انقلاب بل من خلال العملية الانتخابية”، وهي التصريحات التي اعتبرت بمثابة “تدخل سافر” في الحياة السياسية الداخلية في تركيا. 

ومن خلال أكثر من 600 ألف تغريدة على موقع تويتر، عبّر الأتراك عن غضبهم العارم من هذه التصريحات، مشددين على ما وصفوه بـ”السيادة الوطنية” ورفضهم أي تدخلات خارجية في السياسية الداخلية لبلادهم.

ورغم الغضب الرسمي، إلا أن مواقف المعارضة تصدرت المشهد، وكانت مواقفها الأقوى في الرد على بايدن، بعد أن اعتبرت أن تصريحاته مسيئة لها أكثر وتحاول إظهارها “معارضة عميلة للخارج” وأن هذه التصريحات “تساعد أجندة أردوغان الذي يحاول على الدوام اتهام المعارضة بالارتهان للخارج وتساعده في زيادة شعبيته”. 

غضب رسمي  

رئيس دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية فخر الدين ألطون، وصف تصريحات بايدن بأنها “غير مسؤولة”، مشدداً على أن بلاده “لن تسمح بتعكير الأجواء الديمقراطية في تركيا”، وأن هذه التصريحات لا تنسجم مع روح الديمقراطية والعلاقات التركية الأمريكية وتأتي في “باب المكاسب السياسية في الرأي العام الأمريكي”، مؤكداً على أن “تركيا ليست أداة للألاعيب السياسية”، وقال: “ليس بإمكان أحد التعدي على إرادتنا الوطنية وديمقراطيتنا، ولا يمكن التشكيك بشرعية رئيسنا المنتخب بأصوات شعبنا. 

من جهته، رد إبراهيم قالن الناطق باسم الرئاسة التركية على بايدن عبر تويتر، وكتب: “تصريح بايدن يظهر الجهل والتكبر والوجه المتقلب له، الأيام التي كانت تركيا تتلقى فيها أوامر من الخارج باتت من الماضي، ولكن إذا كنتم تعتقدون أنه بإمكانكم المحاولة، تفضل، ولكن ستدفع الثمن”. 

وقال رئيس البرلمان مصطفى شنطوب: “لقد لقّنا من تسمونهم (our boys) درسا في 15 تموز”، في إشارة لتنظيم “غولن” ومحاولته الانقلابية الفاشلة، مضيفاً: “من يطلق عليهم بايدن (our boys)  لم يكسبوا الانتخابات إطلاقا، فقط وقفوا وراء محاولة انقلاب فاشلة، مشدداً على أن “الشعب التركي مستعد من جديد لتلقين الـ “our boys” درسا جديدا إن لزم الأمر”، معتبراً أن “عداوة تركيا دائما تلحق الخسارة بالطرف الآخر”. 

كما وصف المتحدث باسم العدالة والتنمية التركي، عمر جليك، تصريحات بايدن بأنها “هجوم على الإرادة الديمقراطية لتركيا”، وأكد في لقاء مع قناة تلفزيونية محلية، أن الديمقراطية التركية، “لديها المناعة ضد التدخلات الخارجية من هذا القبيل”، واعتبرت تغريدات عشرات من نواب وقيادات الحزب الحاكم أن تصريحات بايدن بمثابة “تأكيد جديد ودليل على أن الولايات المتحدة تقف خلف محاولة الانقلاب الفاشلة”، التي شهدتها البلاد عام 2016. 

محرم إنجي، القيادي البارز في حزب الشعب الجمهوري، رد على بايدن بالقول: “تغيير الحكومة في تركيا ليس من عملكم وهو أمر يتعلق بالأمة التركية”

المعارضة تتوحد  

محرم إنجي، القيادي البارز في حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، انتقد تصريحات بايدن، ورد عليه عبر تويتر: “تغيير الحكومة في تركيا ليس من عملكم وهو أمر يتعلق بالأمة التركية”، وقال الناطق الرسمي باسم حزب الشعب الجمهوري: “مقاومتنا نحو الديمقراطية والحرية ليست بحاجة إلى دعم القوى الإمبريالية، سياستنا تقوم على خدمة مصالح أمتنا وليس مصالح من هم على الجانب الآخر من المحيط”. 

كما كتب أحمد داود أوغلو رئيس حزب المستقبل التركي المعارض: “في هذا البلد، الأمة التركية فقط هي من تقرر من يأتي إلى الحكم ومن يذهب من الحكم، نحن لا نعترف بأي قوة خارج إرادة أمتنا”. فيما اعتبر زعيم حزب السعادة التركي، تمل قره مولا أوغلو، أن تركيا تدار من داخل تركيا، “لن نسمح لكم برسم سياسة بلادنا، مهما كانت مشاكلنا كبيرة نحلها فيما بيننا، نمتلك الخبرة والأهلية والتجربة لذلك، انتبهوا أنتم لمشاكلكم الخاصة”. 

نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الحركة القومية إركان أكتشاي، رد على تصريحات بايدن بالقول: “هذه التصريحات وقحة بقدر ما هي تجاوز للحدود”. فيما اعتبر القيادي في حزب الجيد كوراي أيدن أن “القوة الوحيدة التي ترسم السياسة التركية هي الأمة التركية الكبيرة”. 

بايدن.. عداء قديم لتركيا  

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وانحصار المنافسة عليها بين الرئيس الحالي دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن، فإن الخيارات التركية انحصرت بين رئيس حالي شهدت فترته الحالية سياسة متقلبة وخلافات حادة جداً ومتشعبة، وبين مرشح جديد يحمل سجلاً حافلاً في العداء العلني لتركيا في ملفات كبرى. 

وشهدت فترة ترامب الرئاسية الحالية خلافات حادة مع تركيا في ملفات دعم الوحدات الكردية في سوريا وملف تسليم فتح الله غولن وشراء منظومة باتريوت من أمريكا وطائرات “إف 35” والعقوبات على خلفية شراء تركيا منظومة “إس 400” الدفاعية من روسيا وغيرها الكثير من الملفات. 

لكن على الرغم من كل هذه الخلافات، إلا أن العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان كانت على الدوام قادرة على الحفاظ على مستوى جيد من العلاقات والوصول إلى حلول وسط في كثير من ملفات الخلاف والحفاظ على مستوى جيد من العلاقات وعقد صفقات وحلول وسط ناجحة وتجنب تفجر الخلافات ووصولها إلى نقطة اللارجعة، وهو أمر يمكن أن يدفع أردوغان لترجيح فوز ترامب بفترة رئاسية جديدة. 

هذا السبب، ليس الوحيد، كون أنقرة ترى أن الخيار الآخر، وهو المرشح الديمقراطي جو بادين، يُتوقع أن يكون أسوأ من خيار ترامب، كون بايدن سياسي أمريكي يتصدر منذ عقود المواقف المعادية لتركيا في ملفات قبرص واليونان والأكراد والأرمن وغيرها الكثير. 

بايدن الذي شغل عضوية مجلس الشيوخ الأمريكي على مدار 36 عاماً، وخلال هذه السنوات تنقل بين عضوية لجان العدل والعلاقات الخارجية، كما ترأس لجنة العلاقات الخارجية لعدة سنوات وكانت له علاقات ومواقف وقرارات مختلفة تتعلق بتركيا بشكل مباشر، وكان في الكثير منها يتخذ مواقف حادة معادية لها. 

أنقرة ترى أن بادين أسوأ من ترامب، كونه سياسي أمريكي يتصدر منذ عقود المواقف المعادية لتركيا في ملفات قبرص واليونان والأكراد والأرمن

ففي ملف قبرص، انتقد الدور التركي هناك على مدار العقود الماضية، وهاجم التدخل العسكري التركي عام 1974 ودعا مراراً إلى ضرورة انسحاب القوات التركية من قبرص، وكان عام 1987 أحد أبرز المعدين والموقعين على الوثيقة التي تدعوا الإدارة الأمريكية إلى فرض حظر تصدير أسلحة على تركيا؛ بسبب ما قيل إنه عدم التزام أنقرة بقرار للأمم المتحدة حول قبرص، واعتبر مراراً أن تركيا هي المعطل للحل السياسي للمسألة القبرصية، وفي عام 1999 عندما كان يرأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي وضع فيتو على تقديم حزمة مساعدات مالية لتركيا بقيمة 5 مليار دولار. 

وتقول تقديرات تركية إن ولاية “ ديلاور” التي يمثلها بايدن في مجلس الشيوخ، يسكنها أغلبية من الأمريكيين من أصول يونانية، وعمل طوال العقود الماضية على إرضائهم بالمواقف المعادية لتركيا في الخلافات مع اليونان والمسألة القبرصية ودعم تشكيل لوبيات يونانية وقبرصية كبيرة. 

كما انتقد بايدن على الدوام سجل تركيا في حقوق الإنسان والحريات وملف الأكراد. وفيما يتعلق بالمسألة الأرمنية وأحداث عام 1915، دعا بايدن مراراً لاعتراف الولايات المتحدة بها على اعتبار أنها “مجزرة إبادة جماعية” وقاد حراكاً كبيراً طوال العقود الماضية من أجل ذلك، وخلال فترة توليه منصب نائب الرئيس ضغط مراراً من أجل الاعتراف بما توصف بـ”إبادة الأرمن”. 

وفي سجل علاقاته مع تركيا، اضطر بايدن لتقديم الاعتذار مرتين من المسؤولين الأتراك عندما كان يشغل منصب نائب الرئيس باراك أوباما، ففي المرة الأولى صرح بأن تركيا تساهلت مع دخول المقاتلين الأجانب إلى سوريا ودعمت تنظيمات متشددة، الأمر الذي أثار غضب أردوغان الذي هدد بقطع العلاقات معه ما لم يعتذر، قبل أن يتصل بايدن بأردوغان ويقدم اعتذاراً رسمياً عن تصريحاته. وفي واقعة أخرى قدم بايدن اعتذاراً رسمياً لتركيا بسبب تأخر أمريكا في إدانة محاولة الانقلاب عام 2016. 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق