أخــبـار مـحـلـيـة

تركيا.. عندما يغادر باباجان “العدالة والتنمية”

غادر الوزير التركي السابق، علي باباجان، حزب العدالة والتنمية، بعد أن كان قيادياً فيه، ومن جيل مؤسسيه الشباب، ويمكن اعتباره في المستوى نفسه مع رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، محمد شيمشك، وآخرين، أي من الجيل القيادي الثاني في الحزب، على اعتبار أن جيل المؤسسين الكبار، ممن غادروا حزب الفضيلة وريث حزب الرفاه في العام 2002، ضم الرئيس رجب أردوغان وسلفه عبدالله غول، ورؤساء مجلس النواب السابقين، بولنت أرنتش، ومحمد علي شاهين.
وزير الخارجية ثم وزير الاقتصاد السابق، باباجان، هو من رسم السياسة الاقتصادية التركية ونفذها حتى العام 2015. المرحلة التي شهدت فيها تركيا صعوداً ونهضة وتطوراً على كل الأصعدة، وتضاعف فيها الناتج القومي ثلاث مرات تقريباً تحت قيادة الرئيس أردوغان، ويمكن اعتباره في السياق الاقتصادي نظير بن علي يلدريم نهضوياً وإنشائياً، وأحمد داود أوغلو سياسياً ودبلوماسياً.
قال باباجان، في كتاب استقالته، إن الأهداف والمبادئ التي بموجبها انضم لحزب العدالة التنمية من أجل خدمة الشعب التركي ورفاهيته، لم يعد بإمكانه الآن تحقيقها (من خلال الحزب). وذكرت مصادر مطلعة أنه بصدد تشكيل حزب جديد، حزب حضور (اطمئنان بالعربية) رفقة الرئيس السابق عبد الله غول الذي أبلغ خلفه ورفيق دربه أردوغان القرار رسمياً.

يمكن وضع الاستقالة في عدة سياقات، وقراءتها من أبعاد وجوانب متعدّدة، أولها أنها تعبير

مباشر عن الديمقراطية التركية، الحياة والحيوية التي تزخر بها الساحة السياسية الحزبية، كما رأينا عبر التحولات والتحالفات الانتخابية في استحقاق الانتخابات البلدية أخيراً، والذي كانت نتائجه في اسطنبول، والبلاد بشكل عام، تعبيراً ما عن الحيوية والاصطفافات في المشهد الحزبي، حيث تفوق حزب العدالة والتنمية على المستوى الوطني، مع معاناة واضحة في معاقله الكبرى، ما كان أحد أسباب مغادرة باباجان، كما جاء في كتاب استقالته.

وفي الأنظمة الاستبدادية، لا أحد يستقيل حزبياً أو رسمياً، ثمّة إقالات فقط، حيث المسؤول لا يستقيل، بل يُقال فقط.

يتعلق البعد الآخر للاستقالة بالوضع داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، فالحزب في حالة تراجع، على الرغم من احتفاظه بالصدارة على المستوى الوطني، خسر البلديات الكبرى الأربع، إسطنبول وأنقرة وأنطاليا وأزمير، وتراجعت شعبيته إلى 44%، على الرغم من أنه نال في انتخابات العام 2015 النيابية (خاضها موحداً) 50% تقريباً، بينما في الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة، في 2014، نال الرئيس أردوغان 52%، على الرغم من تكتل المعارضة كلها ضده، والآن ينال النسبة نفسها، ولكن بالتحالف مع حزب الحركة القومية اليميني. وقد اعترض باباجان وآخرون كثيرون في الحزب على هذا التحالف تحديداً، كونه نقل “العدالة والتنمية” من مربع الوسط إلى اليمين، أفقدهم تأييد نسبة معتبرة من جمهوره ومصوّتيه الأتراك والأكراد، مع حديث متواتر عن أن السبب المركزي وراءه، أي التحالف، كان رغبة أردوغان في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وتوفير غطاء وطني عام لهذا التحول التاريخي الكبير، ما ينقلنا إلى نقطة الخلاف المركزية بين أردوغان وكثيرين من مؤسسي قيادات الحزب ورموزه، فقد اعترض هؤلاء، بمن فيهم باباجان، على التحول إلى النظام الرئاسي، وحاججوا دائماً أن تركيا لا تحتاج إلى نظام رئاسي، بل إلى تطوير النظام البرلماني ضمن دستور جديد مدني ديمقراطي علماني عصري توافقي، وقد مثل هذه عملياً نقطة الافتراق الأساسية مع الرئيس أردوغان منذ أربعة أعوام، وعلى أساسها ابتعد هؤلاء عن

الحزب، أو فقدوا أدوارهم القيادية والمركزية فيه.

وكان باباجان ورفاق له، حتى أيامه الأخيرة في الحزب، يعترضون على طريقة إدارة الحزب، حيث تم تهميش قيادات مؤسسة، بمن فيهم باباجان، وداود أوغلو، ومحمد شيمشك، لصالح آخرين، وواضح أن هؤلاء لم يملأوا الفراغ حزبياً ووطنياً، اقتصادياً تحديداً، حيث لم ينشأ جيل قيادي جديد، بدليل تراجع الحزب سياسياً، خصوصاً مع المشكلات الاقتصادية التي عاناها البلد في الشهور والسنوات الأخيرة. وهذا يأخذنا كذلك إلى أحد الأسباب المركزية التي ذكرها باباجان في كتاب استقالته، أي الوضع الاقتصادي، فقد كتب إنه يعترض على السياسة الاقتصادية التي تدار بها البلد، ويعتقد أنها غير ناجحة وغير قادرة على مواجهة الأزمات، على الرغم من الأساس المتين والمتنوع للاقتصاد، وهي المفردات نفسها التي يستخدمها أحمد داود أوغلو تحديداً فيما يتعلق بنسبة التضخم والدين العام. وفي إدارة الحزب الاقتصاد، يرى المعارضون أحاديةً، وحتى تقديماً للعلاقات والولاءات الشخصية على العمل المؤسسي الجامع الذي تميز به “العدالة والتنمية” منذ تأسيسه.

وهنا تحديداً يرى غول وباباجان وأنصارهما أن حزبهم فقد جمهوره الوسطي، وانفتاحه على مختلف الشرائح، كما إدارته الهادئة للملفات السياسية داخلياً وخارجياً. ويعتقدون أن اللهجة واللغة والمواقف الحادة المتبعة أدت إلى استقطابات داخلية واسعة، كما إلى فقدان الحزب

شرائح واسعة من جمهوره ومصوتيه، بلغت في الانتخابات البلدية الأخيرة مليونين، منهم نصف مليون تقريباً في إسطنبول. وكان سبباً مباشراً لخسارة المدينة لأول مرة منذ ثلاثة عقود من سيطرة الحزب عليها، ما كفل وسهل له حكم البلاد بشكل عام.

لم يتضح بعد موقف رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، فلا يزال عضواً في الحزب، يراهن أو يأمل بتغيرات خاصة، بعد نتائج الانتخابات البلدية أخيراً، كما أن علاقته غير الجيدة مع الرئيس غول تصعب ترؤسه الحزب الجديد، خصوصاً أنه خدم في مناصب إدارية حزبية ورسمية أرفع، ربما لا يقبل فكرة أن منصب رئيس الحزب أو مديره العام مكفول لباباجان، على اعتبار أن غول سيترأسه. وغول سيكون العراب والمرشد العام للحزب، هو يتمتع بتأييد شرائح وسطية واسعة من داخل الحزب وخارجه، مع حنين العودة إلى نهج الرئيس السابق تورغوت أوزال، الوسطي الهادئ، علماً أن أوزال كان أحد مؤسسي تركيا الجديدة، ويتردد دائماً أن “العدالة والتنمية” سار على نهجه، وأكمل طريقه الفكري السياسي الاقتصادي والتنموي.
في كل الأحوال، غادر باباجان حزب العدالة والتنمية رسمياً، ويبدو في طريقه إلى تأسيس حزب جديد يطرح بديلاً سلطوياً من داخل مربع الوسط أو يمين الوسط في السنوات المقبلة،
وتحديداً مرحلة ما بعد أردوغان، علماً أننا قد وصلنا أو قد نكون في طريقنا نحو تكرار نقطة الافتراق المركزية والتاريخية (العام 2002) داخل حزب الفضيلة بين القائد والزعيم التاريخي نجم الدين أربكان وشباب الحزب من مؤسسي حزب العدالة والتنمية فيما بعد.
ماجد عزام – العربي الجديد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق