مقالات و أراء

تمثيلية الانقلاب في تركيا.. من المستفيد؟!

يروى أنه بتاريخ 20 نوفمبر 1922 افتتح مؤتمر لوزان وحضره ممثل الدولة العثمانية “المهزومة” في الحرب العالمية الأولى من جانب وفي الجانب الآخر حضر جورج كرزون وزير خارجية إنجلترا رئيساً لوفد بريطانيا، وأثناء انعقاد المؤتمر وضع كرزون أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي: إلغاء الخلافة، وطرد الخليفة، ومصادرة أمواله، وإعلان علمانية الدولة.

تتطور الدنيا وتتطور معها قواعد اللعبة، فما كان يسقط بالحرب أصبح الآن يسقط بالانقلابات، وبين الأول والثاني مشترك، هو الخيانة والخديعة وشراء الذمم، لن نخوض كثيرا في الأدوات التي استخدمت في إسقاط الخلافة العثمانية، وأسباب سقوطها والمشتركات معروفة وأصبحت من المدركات المعلومة بالضرورة لأصغر فتى على هذه البسيطة، لكننا سنتتبع الأدوار وتوزيعها، ونقيس درجة الوعي، لنصل إلى نتيجة يمكن أن تكون درسا يستفاد منه للمستقبل.

عمر خالص دمير ضابط الصف الذي رفض الانصياع لأوامر الانقلابيين في تركيا ليلة الخامس عشر من تموز 2016 حين صمد في إفشال مهمة قوة الانقلابيين التي كانت تريد السيطرة على مقر القوات الخاصة بالعاصمة أنقرة، فقاوم البطل وقتل واحد من أهم قيادات الانقلاب ليستشهد البطل بعد مقاومة شرسة عن وحدته التي مثلت في تلك اللحظة وطنا كاملا، ليصبح عمر خالص دمير أيقونة الصمود في إفشال الانقلاب، لكن كيف تكونت شخصية عمر ليقف بهذا الصمود وهو يعلم علم اليقين أنه ميت لا محالة، فغيره استسلم ولم يقاوم حرصا على نفسه، وهنا وقفة أخرى، فما سنبرزه فيه استثناء، والفطرة البشرية وغريزة حب البقاء غالبه، إلا على من علم ولزم.

مرت تركيا بأحداث جمة كتوابع لسقوط الدولة العثمانية، خمسة انقلابات كانت كافية لعمر و 161 شهيداً، و1440 جريحاً، ومئات الآلاف الذين خرجوا مستعدين لمصير الــــ 1601 ضحايا ليلة واحدة نفذها من باعوا ذممهم لمن يريد بتركيا سقوطا جديدا كما سقطت الدولة العثمانية ليجلس كرزون جديد يضع شروطا جديدة أكثر قسوة، على الرغم أن شروط كرزون كانت حاضرة في أهداف الانقلابيين، ومهدت لها الإشاعات من قبل الحراك، فإلغاء الرئاسة المنتخبة، وطرد الرئيس، ومصادرة روحه، وإعلان تركيا دولة فاشلة، كلها شروط وضعت على جدول أعمال من خطط للانقلاب قبل أن يبدأ، وتكفي عناية الله التي أنقذت الرئيس من قصف مقر إقامته في مرمريس بولاية موجلا حيث كان يمضي إجازته.

عندما أسقط الشعب الانقلاب وقبض على المنخرطين، خرجت الأبواق الإعلامية لدول الشر والمستفيدين من إسقاط هذه الجمهورية وردها إلى ما قبل التاريخ، بحكم عسكري يأتمر بأوامر سادته في الغرب الحاقد، وعبيد الشرق الملوثين بسرقة مقدرات شعوبهم من النفط، والحالمين بحياة الأتباع بعد أن لفظتهم حياة السادة، فالنفس تربى على الشموخ بكثرة الحديث عن الأمجاد، فما من أمة إلا وخلى فيها نصر يفتخر به أبناؤها، لكن وضيع النفس يرضى الدنية بعرض زائل، خرج هؤلاء بفرية أن كل ما حصل كان تمثلية مفبركة.

وهنا مربط الفرس وموضع السهام، إشاعة أن محاولة الانقلاب كانت تمثيلية أراد بها أردوغان الخلاص من خصومه، سواء في جماعة فتح الله جولن أو المنافسين السياسيين، هو محاولة لتخدير الوعي، وعودة جديدة بثوب جديد، فالمنتصر، ولا يمكن هنا أن نغفل دور الرئيس الذي أدار المعركة بشجاعة محتميا بالشعب ومتسلحا بصندوق الانتخابات الذي أوصله، ومتدثرا بما قدم لهذا الشعب على مدى سنين خدمته لهم، فالهدف كان رأس الرئيس والغاية إسقاط تركيا بالكلية، لكن الله يفضح الخائنين، فمنذ الخامس عشر من تموز ولم تتوقف الهجمة، ولم يخمد الانقلاب ولم يهدأ الأعداء، فكل يوم هجوم وكل يوم مكيدة، وللأسف لا يزال المخدوعين في شعارات الحرية المزيفة يشاركون بلا هوادة، لقد استطاع أردوغان ومجموعته، حتى من انفصل عنهم، أن يعيد كثيرا مما سرقه كرزون من تركيا عام 1922، لقد استطاعت هذه المجموعة المخلصة أن تستعيد الكثير من هوية تركيا الحقيقية.

منذ أيام رسم بعض المارقين صورة مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم فقبض عليهم وزير الداخلية الذي انخرط في الروح التي كونها أردوغان وزملاؤه وقال: قبضنا على المجرمين الذين أساؤوا لنبينا.

 

 

ياسر عبد العزيز – خاص ترك برس

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق