مقالات و أراء

حوار مع الشيخ “صلاح”: “آيا صوفيا” بداية طريق الانتصار للقدس

يؤمن الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية “المحظورة” في إسرائيل، أن إعادة فتح “آيا صوفيا” كمسجد في تركيا، هي مقدمة لتحرير المسجد الأقصى في مدينة القدس.

 

 

كما يرى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يؤدي دورا تاريخيا في خدمة الأمة الإسلامية، وطموحات “شعوبنا المقهورة”.

وفي حوار خاص مع وكالة الأناضول، من منزله الذي يقضي فيه عقوبة السجن المنزلي، يبدو الشيخ صلاح متمسكا بشدة، بآرائه ومعتقداته، وعلى رأسها مقولة “المسجد الأقصى في خطر”، والتي أطلقها في تسعينيات القرن الماضي.

 

 

ومن المقرر أن يبدأ الشيخ صلاح، قضاء محكوميته بالسجن الفعلي، البالغة 28 شهرا (قضى منها 11 شهرا)، يوم 16 أغسطس/آب المقبل.

وسبق لمحكمة الصلح الإسرائيلية، أن أدانت الشيخ صلاح يوم 24 نوفمبر آب/ تشرين الثاني 2019، بتهمة “التحريض على الإرهاب”، و”تأييد منظمة محظورة” هي الحركة الإسلامية التي يرأسها.

ويخضع الشيخ صلاح حاليا، للحبس المنزلي، تحت قيود مشدّدة، ويمنع تواصله مع الجمهور باستثناء أقاربه من الدرجة الأولى.

وفيما يلي نص الحوار:

الأناضول: لنبدأ بالملف الساخن المتعلق بمصلى “باب الرحمة” في المسجد الأقصى، ما هي قراءتكم لما يحدث هناك؟

دعني أقول، المسجد الأقصى المبارك محتل، وما دام محتلا فهو في خطر دائم، وهو عرضة للاعتداءات الدائمة عليه من قبل الاحتلال الإسرائيلي؛ إغلاق باب الرحمة هو ليس بالاعتداء الوحيد، ولكنه تصعيد لسلسلة الاعتداءات على المسجد.

أظن أن الهدف عند الاحتلال الإسرائيلي، وهو هدف خبيث، هو محاولة تأكيد مزاعم أنهم أصحاب السيادة الوحيدة في المسجد الأقصى، والذين يملكون أن يغلقوا باب الرحمة وأن يمنعوا عنا حقنا الديني بأداء صلاتنا فيه، لأنه جزء من المسجد.

الأناضول: هل تعتقد أن هناك نية إسرائيلية حقيقية لتحويل مصلى “باب الرحمة” إلى كنيس؟

هذا ليس مستبعدا، خصوصا وأنا أذكر أنه في عام 1996 كان الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون قد بدأ بترداد مقولته المشؤومة: ما فوق أرض المسجد الأقصى للمسلمين وما تحت أرضه لليهود، وكان يقصد من وراء ذلك إعطاء المصلى المرواني، والأقصى القديم، ومصلى باب الرحمة، ومصلى البراق، لأداء الطقوس التلمودية للاحتلال في المسجد الأقصى.

وأنا أقول: هم واهمون، أحلامهم وطموحاتهم أقصر بكثير من عمر المسجد الأقصى المبارك.

وعندما أطلقنا تحذيرنا الذي قلنا فيه إن “الأقصى في خطر” في فترة التسعينيات من القرن الماضي، كان يعبر عن قناعات الحركة الإسلامية التي أصبحت محظورة إسرائيليا في هذه الأيام، وهذه القناعات كانت تُبنى على شيء أساس، وهو كالتالي: ما دام المسجد الأقصى المبارك تحت الاحتلال الإسرائيلي فهو في خطر، لن يزول الخطر عن المسجد الأقصى إلا في حال واحد فقط وهو زوال الاحتلال الإسرائيلي.

الأناضول: هل ما زلت متمسكا بأنك رئيس الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا؟

أقول بلا تردد: إن المؤسسة الإسرائيلية قد تستطيع بجبروتها الظالم أن تحظر البنية الإدارية للحركة الإسلامية، ولكن الحركة الإسلامية لم تقم على آراء شخصية وإنما قامت على ثوابت إسلامية عروبية فلسطينية، وإن تم حظر الحركة الإسلامية فإن هذه الثوابت لا يمكن أن تُحظر في يوم من الأيام.

الأناضول: خلال فترة سجنك الفعلي وحبسك المنزلي تم الإعلان عن صفقة القرن الأمريكية، ما هي قراءتك لها؟

أنا لا اعتبر أن صفقة القرن بدأت البارحة، أو منذ أيام بيل كلينتون أو جورج بوش، من يعتقد ذلك هو مخطئ، فصفقة القرن بدأت منذ سنوات طويلة، وأنا هنا استذكر جملة للقيادات الفلسطينية وتحديدا (كبير المفاوضين الفلسطينيين) صائب عريقات، عندما قال ردا على صفقة القرن: هذه صفقة عرضت علينا ورفضناها في التسعينيات.

إذن ما الذي حدث؟ لقد حاول ترامب إنتاج جديد لصفقة القرن، ويعاد الآن فرضها (..) ولكن الباطل يبقى باطلا سواء مرّ عليه يوم أو قرن من الزمان، الباطل باطل والزمن لا يعطي شرعية.

الأناضول: ما هي قراءتك لقضية مخططات إسرائيل ضم أراض بالضفة الغربية وتداعياته على مجمل القضية الفلسطينية؟

المؤسسة الإسرائيلية من خلال ذراعها الاحتلالي تتحدث عن ضم نفذته على أرض الواقع، فهو الآن منفذ، فالضفة تحت الاحتلال، ولكنها تريد أن تعطي “شرعية” بمفهومها الاحتلالي الباطل لهذا الضم.

الأناضول: هل تعتقد أن هناك محاولة لرسم خارطة إسرائيل لأول مرة، من خلال خطوة الضم؟

أنا كتبت كتابا في داخل السجن سميته “قراءة سياسية في توراة اليوم”، وحاولت أن أُسقط بعض البنود الموجودة في توراة اليوم، على منهج تفكير الاحتلال؛ وارتباطا بسؤالك الهام جدا أقول كالتالي: أظن أن تعريف خارطة إسرائيل في المفهوم الصهيوني، ينبع من رؤية دينية بناء على توراة اليوم.

ولذلك هم يتمسكون بموقف لا يعتبر برأيي الشخصي قابلا للتغيير عندهم، هم يتمسكون بموقف يظنون أنه موقف توراتي ديني لا تنازل عنه.

ومبدئيا: نعم أنا أوافقك أن هناك محاولة لعملية تتميم فرض “خارطة إسرائيل” بدأت بمراحل بدءا من نكبة فلسطين وما بعدها وحتى عام 1967، ومرحلة أخرى ما بعد اتفاقية أوسلو ومرحلة أخرى ما بعد وجود ترامب وما قبل وجود ترامب وكلها تصب، في اتجاه محاولة فرض مقولة خارطة إسرائيل، وفق رؤية سياسية أمنية تقوم على توراة اليوم.

الأناضول: تحدثت عن هذا الكتاب، وقد سمعنا أنك أنجزت 12 كتابا خلال سجنك؟

الحمد الله، ما أنجزته حقيقة أكثر من 20 كتابا، بالإضافة إلى مجموعة دواوين شعرية، والآن، هناك، بحمد الله، سلسلة كتب، تحت الطباعة.

الأناضول: كيف كنت تقضي وقتك داخل السجن، فقد كنت معزولا لأشهر، وعندما خرجت وُضعت في الحبس المنزلي؟

إنني والحمد لله رب العالمين، سُجنت 6 مرات، بدأت مراحل سجني من عام 1980 فصاعدا، وفي الخمس مرات الأخيرة، كنت طوال الوقت في عزل لوحدي.

وأنا بالسجن، كنت دائما أشعر بضيق الوقت، كنت أتمنى أن يكون الوقت أطول لسبب بسيط، وهو أنني برمجت حياتي بالسجن منذ طلوع الفجر وحتى اللحظات التي أضع فيها رأسي على الوسادة، لم يمكن يمر علي لحظة واحدة دون أن أشعر أنني أنتجت شيئا، إما قراءة أو كتابة، أو نظم شعر، أو صلاة، أو إعداد الطعام، أو التفكر بالقرآن الكريم، أو ذكر ودعاء وابتهال ومناجاة، أو حديث بما تيسر مع الأسرى المعزولين، جيراني من قطاعات شعبنا الفلسطيني المختلفة.

الأناضول: بالمقارنة كيف هي فترة سجنك المنزلي حيث أرى في قدمك سوارا إلكترونيا وضعته السلطات الإسرائيلية لتحد من حركتك؟

لمن لا يعلم، في هذه المرحلة الأخيرة، ما بين سجن فِعلي وحبس منزلي، مضى عليّ 3 سنوات، كنت في سجن فعلي 11 شهرا ومن ثم انتقلت إلى سجن منزلي في قرية كفر كنّا ومن ثم انتقلت إلى (مدينة) أم الفحم.

وتحديدا في السجن المنزلي، لا شك أن هناك تضييقا شديدا عليّ حيث إنني في جانب الحياة الرسمي ممنوع من الخروج من البيت الذي أُحبس فيه، ومسموح أن أخرج مدة زمنية محددة فقط، وممنوع أن التقي بأي إنسان من غير درجة القرابة الأولى، ويجب أن يكون معي كفيل طوال الوقت ما دمت في الحبس المنزلي، وممنوع من الصلاة في المسجد وممنوع من التواصل مع وسائل الإعلام، باختصار كل وسائل التضييق اجتمعت علي.

وبطبيعة الحال لا يزالون يضعون في قدمي سوارا إلكترونيا، كي يراقبونني من بعيد.

الأناضول: أي لحظة في هذه السنوات الثلاث شعرت فيها أنه ينبغي عليك أن تدلي بموقف، ولكنك لم تستطع بسبب قيود السجن؟

كثير من المرات؛ على سبيل المثال كنت أتمنى أن يكون موقفي واضحا عندما بدأ الحديث عن صفقة القرن، وعلى مخطط الضم أو الترحيل، وعندما بدأت الأمور تسير نحو تصعيد الاعتداءات في المسجد الأقصى على الذين يؤدون عبادة الرباط فيه من أهلنا، رجالا ونساءً، لدرجة أن الاحتلال بدأ يجر المرأة من ثيابها أثناء الصلاة، في كل هذه المشاهد كنت أتمنى أن يكون لي خطاب انتصر فيه لثوابتنا أولا ثم لارتباطنا مع قضية القدس والمسجد الأقصى.

الأناضول: إلى مدى تتمنى أن تزور المسجد الأقصى؟

أنا متشوق لزيارة المسجد الأقصى المبارك، وهذا ليس شوق شاذ، بل هو جزء من شوق ملياري مسلم وعربي لزيارة المسجد الأقصى، محرومين من زيارته والصلاة فيه، ولذلك أنا قلتها ولا زلت أقولها ستأتي تلك اللحظات التي ستجتمع كل أشواقنا كأمة مسلمة وعالم عربي عندما نلتقي في المسجد الأقصى، ولكن بعد زوال الاحتلال الإسرائيلي الذي لا بد سيتحقق وسيكون إن شاء الله تعالى.

الأناضول: هل تعتقد أن هناك ارتباط بين إصرار المحكمة على دخولك إلى السجن الشهر المقبل رغم وباء كورونا، وبين الفترة الحساسة مع محاولات إسرائيل تكريس واقع جديد، قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد أشهر قليلة؟

واضح لنا جميعا أن المؤسسة الإسرائيلية تحاول الآن تصفية كل صوت حر، في مسيرة مجتمعنا الفلسطيني، وقد يتم ذلك عن طريق الإبعاد عن المسجد الأقصى أو عن القدس، وقد يتم ذلك عن طريق اعتقالات تعسفية أو ترويج تهم مصطنعة مكشوف فسادها، مثل اعتقال الأخت آية خطيب التي تحاكم على عمل إنساني قامت به.

أنا دخلت في هذا السياق، لقد كان واضحا محاولة عزلي عن الحياة اليومية التي أعيشها مع قضايا شعبنا الفلسطيني، ومحاولة تكميم فمي وإسكات صوتي، يريدون في حسابات المؤسسة الإسرائيلية تفريغ مجتمعنا، من أي نشاط سياسي اجتماعي يقوم على الثوابت، ويريدون إشاعة الذعر والخوف والإحباط واليأس والشعور بأننا مطاردون في مسيرة مجتمعنا الفلسطيني، وكأنهم يظنون أن كل هذه المفردات ستؤدي لأن يعيش المجتمع الفلسطيني في فراغ، ووفق وهمهم، فإنه سيملأ هذا الفراغ صفقة القرن وتداعياتها والترحيل والضم.

الأناضول: قلت إن إعادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان آيا صوفيا إلى مسجد، هي بشرى لإعادة المسجد الأقصى، ما الذي دعاك لهذا القول؟

نعم ،لا زلت عند هذا القول وهو قول اقتبسته من خطاب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان عندما قال إن إعادة السيادة إلى مسجد آيا صوفيا، هي مقدمة قريبة لإعادة السيادة إلى المسجد الأقصى، وأنا مقتنع بذلك لسبب واضح لا يخفى على عاقل، وهو كالتالي: ما الذي يعنيه إعادة السيادة إلى مسجد آيا صوفيا تحديدا في هذه الأيام؟ هو بالمفهوم الواضح إعلان كبير رسمي من قبل المؤسسة التركية الرسمية لإعادة الإرادة الحرة الكاملة، القرار الحر الكامل لتركيا وتحرر تركيا بالكامل من أي ضغوط خارجية فهي صاحبة قرارها وتقرر وفق ما يتناسب مع ثوابتها ومع نبض الشارع التركي، هذا في نظري معنى عودة مسجد آيا صوفيا إلى أصله.

أن يوجد فينا من يقف بجرأة وشجاعة ووضوح، ويقول أنا حر على صعيد حكومي وشعبي، على صعيد قرار وموقف، أن يقف فينا من يقول ذلك ويمارسه فإن هذا هو المطلوب الآن لبداية طريق الانتصار للقدس والمسجد الأقصى المباركين.

الأناضول: هل من رسالة معينة ترغب بتوجيهها للرئيس التركي رجب طيب أردوغان؟

أقول للرئيس التركي رجب طيب أردوغان: حفظك الله وأطال الله بعمرك، وأسأل الله تعالى أن يُكرمك ببطانة خير تحيط بك، تحسن نصيحتك وتحسن تسديد مواقفك إن شاء الله، حتى الآن لا نرى منك إلا المواقف الكريمة التي باتت تمثل أمل عند كل المستضعفين، ليس على صعيد إسلامي وعربي بل حتى عند الشعوب الأخرى، وأسأل الله أن تجد من يؤازرك من حكام المسلمين والعرب، حتى يكون هناك تحالف إسلامي عروبي فلسطيني.

وأقول أيضا للرئيس رجب طيب أردوغان: أنت تؤدي دورا تاريخيا ليس لشخصك بل لثوابتنا الإسلامية والعروبية والفلسطينية ولطموحات كل شعوبنا المقهورة، التي طال ليلها وتنتظر الفجر الصادق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق