أخــبـار مـحـلـيـة

“داوود أوغلو” ينشر النص الكامل لتوصياته واستنتاجاته باللغة العربية

نشر رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو، باللغة العربية، توصياته واستنتاجاته بشأن وضع حزبه “العدالة والتنمية” في ضوء التراجع الذي شهدته أصواته في الانتخابات المحلية الأخيرة والظروف السياسية في تركيا.

جاء ذلك في تدوينة عبر حسابه الرسمي في موقع فيس بوك” تحت عنوان “توصيات وتقييم الدكتور أحمد داوود أوغلو لنتائج انتخابات 31 آذار والظروف السياسية التي نعيشها“.

النص الكامل:

نمر اليوم في فترة تاريخية تشهد فيها الإنسانية تحوّلات عظمى في تاريخ الإنسانية، حيث تتسارع حركة التواصل والتأثير بين المجتمعات بشكل كبير، كما تتساوى وتتزامن مكامن الفرص والمخاطر. إن روح هذا الزمان هو تسارع حركة التاريخ، وستميز الأيام المقبلة من ينجح في إدارة هذا التسارع خلال فهمهم لروح العصر وتباينه، ومن سيغرق في أحداثه بعيداً عن الواقع. إن الدول التي تتجاوز خلافاتها الداخلية وتشكل لنفسها رؤية متناسبة مع الواقع تكتسب اليوم قوة ستكون فارقة في العقود بل العصور المقبلة، في حين ستصبح الدول التي تخسر طاقتها في قضاء خلافاتها الداخلية من العناصر السلبية في التاريخ، والأزمات التي نعيشها في الفترة الأخيرة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي هي آلام مخاض الولادة من رحم التاريخ.

في بدايات القرن الواحد والعشرين، ومع وصول حزبنا للحكم برؤية شاملة وملمّة بروح العصر وقيم الشعب، استطاع إن يثبت فعالية في مواكبة روح العصرـ وذلك من خلال تمكين الديموقراطية التي قوت ثقتنا بنفسنا، وكذلك من خلال التطور الاقتصادي والوجود الفعّال لبلدنا في كل إنحاء العالم، ولكن ومع التوترات الداخلية التي بدأت من أحداث غزي عام 2013، واستمرت بعد ذلك في مؤامرات 17/25 كانون الثاني، وانتهاء بالمحاولة الانقلابية الخائنة في 15 تموز، فقد جعلت هذه التوترات بلدنا في موضع دفاع ورد فعل، بعد إن كانت في موقف طموح ومبادر.

إن حزب العدالة والتنمية هو اللاعب السياسي الأقدر على إدارة هذه المرحلة، وقد لعب دور القائد في ظل فترات المؤامرات التي عصفت بالبلاد، ولكن عمليات التحريض التي كانت تتم من قبل الأطراف دون الاعتبار إلى الإرادة الوطنية جعلت الحزب يبدأ في استهلاك طاقته داخلياً، الأمر الذي هز تركيبة الحزب، وضيّق سعة الحزب في إنتاج الرؤى الاستراتيجية وتطبيقها.

نعيش اليوم في منعطف تاريخي حساس، وقد قمت في السنوات الثالثة الماضية بمشاركة آرائي ومخاوفي تجاه بلدي وتجاه الحزب مع السيد رئيس الجمهورية بشكل شفوي ومكتوب، ولكنني آثرت عدم مشاركتها مع الرأي العام حتى لا يتم استغلالها من قبل بعض الأطراف لأحداث نقاشات مغرضة. إن انتخابات 31 آذار وما حدث بعدها تدفعنا لإجراء عملية محاسبة شفافة وبنّاءة أمام الرأي العام حول مستقبل وطننا وحزبنا، وانطلاقاً من حس المسؤولية كثاني رئيس لحزب العدالة والتنمية وآخر رئيس وزراء منتخب وفي عشية الذكرى التاسعة والتسعون لتأسيس مجلس الشعب التركي، أرى إن مشاركة آرائي مع شعبنا العزيز هو وظيفة لا يمكن التهرب منها.

لقد خلفت انتخابات 31 آذار نتائج مهمة علينا إن ندرسها بشكل سليم، وتركت لنا رسائل مهمة علينا الانتباه لها، إن فهم هذه الرسائل بالشكل الصحيح والقيام بما يلزم أمر هام جداً لمستقبل بلدنا وحزبنا، إن لم نقم باستخراج الرسائل الصحيحة من تغير خيارات شعبنا ولم نقم باتخاذ الخطوات اللازمة بشكل فعّال فأمام حزبنا أوقات صعبة. وفي هذا الإطار فلقد أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة في مدينتي انقره واسطنبول، والتين كانا رموزاً مهمة تمت إدارتها من قبل كوادرنا خلال ربع القرن الماضي، تراجعاً في التأييد الشعبي لحزبنا، وعلينا إن نتواجه مع هذا الأمر وتقييمها بفكر سليم.

قبل كل شيء، لم يظهر حزب العدالة والتنمية نتيجة للظروف السياسية عادية، ولم يكن تشكيلاً سياسياً مبتدئاً، بل على العكس من ذلك، هو رصيد لإرث تساهمي نشأ من خلال تخطي العوائق والصعوبات، وتناقلته الأجيال لبعضها البعض بعرق الجبين والأفكار، ولذا فإن مستقبل الحزب أو سبب تواجده ليس مرتبطاً بأي كائن فان أو مجموعة اجتماعية محدودة أو مجموعة من أصحاب المصالح الاقتصادية، أو حتى لجيل واحد، ولا يجب إن يكون. عند النظر إلى ماضي هذه الحركة نرى جهود الأجيال الماضية، وعندما ننظر إلى المستقبل نرى آمال الأجيال القادمة، ولذا لا ينبغي أن تكون ضحية للصراعات العمياء أو لأصحاب الكبرياء الذين كبرت الأنا فيهم مع الوقت.

كلنا مدينون بالكثير للأبطال المجهولين الذين أحكموا الأساس الذي بني عليه الحزب، وقد تشرفت برؤية هؤلاء الأبطال المجهولين في الانتخابات التي جرت أثناء ترؤس للحزب في 7 حزيران و 1 تشرين الثاني 2015 فأمعنت في وجوههم الوفية أثر هذا الإرث التاريخي، وحتى هذه اللحظة لا تغيب عن عيني نساء مدينة بيرغمان في ازمير، واللاتي ملئن الميدان لساعات طويلة تحت المطر بحماسة كبيرة، ولا أبناء مدينة ديار بكر الأبطال الذين انتظروني أمام المسجد الكبير، فيما كانت عملياتنا تستمر ضد الإرهابيين في منطقة السور بالمدينة، ولا مسني مدينة اسطنبول الذين كأنواع يرفعون أيديهم بالدعاء في ميدان سنجاق تبه اثناء الحشد، ولا أبناء مدينة طرابزون المليئين بالمحبة، والذين حملوا حماسة البحر الأسود إلى ميادين طرابزون في الليل، ولا أبناء قونية الأعزاء الذين ودعوني إلى انقره بوقار في حزننا بانتخابات 7 حزيران وفي فرحنا ب1تشرين الثاني، وكل أبناء وطني الأوفياء الذين انتظروني وحضوني في ميادين 81 ولاية مختلفة، كلهم أمام عيني الإن.

إن كل نجاح ومنصب وموقع حزناه، نحن مدينون به للأجيال السابقة التي تحملت كل أنواعع المصاعب من أجل فتح الطريق أمامنا، وكذلك للأبطال المجهولين من تشكيلاتنا التي عملت بتفان كامل في كل انتخابات حتى نفوز، وحتى أثناء كتابتي هذه الأسطر أشعر بثقل هذه المسؤولية على كاهلي لامتناني وشعوري بالدين تجاههم. وفي هذا الإطار، أتقدم بتقييمي حول مستقبل حزبنا ودولتنا إلى الضمير العميق لشعبنا.

على مر التاريخ، هناك خمسة عناصر أساسية تجعل الحركات السياسية والأحزاب اللاعب الأساسي، وهذه العناصر: (1) منظومة قيم ومبادئ متناسقة مع بعضها البعض، (2) خطاب متوافق مع روح منظومة القيم هذه، (3) شبكة علاقات اجتماعية منفتحة على كل فئات المجتمع، (4) بنية تنظيمية قادرة تدير شبكة العلاقات الاجتماعية بشكل فعال، (5) تفكير حر وقرار مشترك يجعلها قادرة على تطوير سياسيات مواكبة لروح العصر.

إن السر الذي ميز حزبنا خلال تاريخه السياسي عن الأحزاب الأخرى وكان أساساً لفترات الحكم الطويلة هذه المبادئ، ولكن ما حدث في السنوات الأخيرة جعل هناك حالة ضعف منتشرة في هذه الخصائص، وما شهدناه بشكل أخير في الانتخابات المحلية وبعدها من تفرق هو انعكاس لحالة الضعف هذه.

أولاً، أهم عائق أمام الوصول إلى قلوب المجتمع هو الاخطاء والانحرافات التي تحصل في الأقوال والأفعال المتعلقة بالمبادئ والقيم الأساسية للأخلاق السياسية، وإن الحديث بصيغة الفرد وبشكل متكبر بعيد عن التواضع، والتسابق في وضع أسماء الساسة حتى الموجودين في أصغر المناصب على المحافل التي يتم إنشاؤها، والقيام بكل أنواعع الجهود من اجل الشهرة وتسويق النفس، واتساع الفجوة بين الأقوال والأفعال، واستخدام القيم المقدسة من أجل المصالح السياسية، وتناسي إن المناصب خاصة للأفراد وليس لهم ولعائلاتهم والبيئة المحيطة بهم، والتهجم على الأشخاص المعتقد إنهم منافسين سياسيين على وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار هذا الأمر، والسكوت عن تعرض رفاق الطريق والقضية الذين ضحوا في هذا الطريق ، وكذلك تضرر قيمة الوفاء، والتي نرى إنها أهم قيمة منذ القدم، كل هذه الأمور ينبغي التفكير بكل صراحة دون وجل.

إن عملية التخبط التي وقعت في المبادئ والقيم الأساسية أثرت بشكل مباشر على خطابنا السياسي، وبدلاً من خطابنا السياسي الذي كان مركزه الإنسان، ويستند على حقوق الإنسان، إصلاحي، من أجل الحريات، ويحتوي الجميع، وواثق من نفسه ومن المستقبل، فتبدل إلى خطاب مركزه الدولة، أمني، ويهتم بالوضع الراهن فقط ومخاوف البقاء.

إن الدولة هي الشكل المجسم لإرادة الناس الذين يعيشون مع بعضهم البعض، إن ذهبت هذه الإرادة لا يمكن للدولة إن تستمر في وجودها، الدولة ليست مكوناً خارجياً، بل هي نظام سياسي موجود بإرادة الأفراد المكونين للمجتمع، وهي تستطيع البقاء والاستمرار بقدر المشروعية التي تستمدها من المجتمع، وإن أردنا إن ننظر إلى مبدأ الشيخ أدب علي يمكن إن نقول إن أي دولة التي تهمل حقوق الإنسان الأساسية أو تجعلها في المرتبة الثانية لا يمكن إن تستمر.

يشاهد إن هناك انحسار جدي في مسألتي الشمول المجتمعي وشبكة العلاقات الاجتماعية بالنسبة إلى حزبنا، وهذين الأمرين كانا السبب في جعل حزبنا الأول في تركيا، وبحسب النتائج في الانتخابات الأخيرة فإننا نرى إنه وعلى الرغم من وجود تحالف الجمهور فإن الجمهور انحسر من المناطق الساحلية وانحسر مناطق الأناضول الداخلية وفي منطقة البحر الأسود، وفي حال لم يتم الوقوف بشكل دقيق على الأقوال والأفعال التي أدت إلى مثل هذا الانحسار فإن هذا الانحسار ربما يؤدي إلى حصار سياسي.

أهم عامل يمكن إن يوقف عملية الانحسار المجتمعي هو وجود تشكيلات لها علاقات وثيقة مع المجتمعات الموجودة فيها وجاهزة للقيام بدور مهم في الفترات الحرجة، ولكن استخدام كلمات مثل الترهل لقادة تشكيلات الحزب في المدن، والذين قاموا بمقاومة المحاولة الانقلابية بأجسادهم في 15 تموز وإخراجهم من الساحة، قام بجرح الضمير العميق لتشكيلاتنا بشكل جدي.

والأخطر من هذا، هو وجود فريق يرى نفسه فوق مؤسسات الحزب، ويتصرف كانه تنظيم موازي داخل الحزب، ويحاول إن يحيّد مؤسسات الحزب المنتخبة، الأمر الذي أضر بمأسسة تشكيلات الحزب، وما نراه في الانتخابات الاخيرة من قلة حماسة تشكيلاتنا هو نتيجة لشعورهم بالخيبة بسبب عدم الوفاء الذي مورس تجاه عناصر الحزب الذين قاموا بتضحيات كبيرة سابقة لأجله.

من جانب آخر، فإن التضييق على الأشخاص الذين حصلوا على مناصب في الانتخابات العامة أو البلدية بالانتخاب من قبل الشعب، وتضييق صلاحياتهم اولاً، ومن ثم اضطرارهم إلى الاستقالة من خلال الضغوط المباشرة أو غير المباشرة التي مورست عليهم، هذه الأمور أضرب بعملية مأسسة الحزب إلى جانب إضرارها الكبير بمبدأ تفوق إرادة الشعب، وإضرارها كذلك بعلاقة حزبنا بالنسيج الاجتماعي.

إن واحدة من أهم مبادئ حزبنا التأسيسية هو البحث عن القرار المشترك، لقد تجاوز حزبنا الكثير من المشاكل وحاز على إعجاب الشعب بفضل آليات الاستشارة والبحث عن القرار المشترك، ولكن وللأسف خلال الفترة الماضية تم تحييد الآليات التي كانت تمد حزب العدالة والتنمية بالعقل المشترك، أو جعلها أماكن للموافقة على قرار واحد دائماً، وفي هذا الإطار، فإن علينا إن نعيد جمع هيكلية حزبنا مع المقترحات السياسية القادمة من التشكيلات.

لا يمكن ترك حزبنا ودولتنا الذين تأسسا بدموع وجهود وأفكار وقلوب الشعب لمجموعة من الذين وقعوا أسرى أطماعهم ويفكرون بمصالحهم، وفي هذا الإطار ينبغي تحديث بنية الحزب دون تضييع للوقت، وتشغيل آليات الاستشارة والوصول إلى القرار المشترك بشكل فعّال، وإعادة تشكيلاتنا إلى أصلها، وإعادة علاقاتنا مع الشعب على أساس التواضع.

في المراجعة التي سيقوم بها الحزب لتقييم نتائج الانتخابات، عليه إن يراجع أيضاً سياسة التحالفات، إن تطور الحوار والتعاون البناء بين الأحزاب أمر مهم جداً لوحدتنا الوطنية ولديموقراطيتنا، وفي هذا الجانب فإن الحوار والتعاون القريب الذي ساد بعد أحداث 15 تموز وتجسد في روح يني كابي كان صحيحاً. ولكن أظهرت نتيجة الانتخابات أن سياسة التحالف أضرت بحزبنا من ناحية هوية الحزب ومن ناحية نسب الأصوات، ولم يصل حزبنا لأهدافه داخل حلفه ولا في مواجهة التحالفات الأخرى، وفقد الكثير من البلديات التي كان يديرها.

وكذلك، فإن سياسة التحالف حبست حزبنا في خطاب سياسي وهوية سياسية، وأضرت بموقفتنا الذي كان يحتضن جميع فئات شعبنا في كل مناطق بلدنا، وفي هذا الإطار على حزبنا إن يحلل نتيجة الانتخابات بالشكل الصحيح ويعيد النظر في سياسة التحالفات، وفي أثناء تطويرنا للتعاون القريب مع الأحزاب المختلفة، علينا الحفاظ على فلسفة وهوية حزبنا الأصلية وحمايتها.

باختصار، فإن حزبنا يحتاج اليوم إلى التجديد في كل النواحي وفترة الأربع سنوات القادمة التي ستمر بدون انتخابات توفر الوقت الكافي لهذا التجديد، إن قام حزب العدالة والتنمية بعملية تحديث جذرية، يمكنه إن يعيد كسب آليات الخطاب والسياسة التي فقدها، والاهم هو إعادة رفع المعنويات التي يتم فقدها بشكل متسارع، ولا يمكن إن نتصور إن هذا الإرث التاريخي سيكون بلا صاحب إن كان بعيداً عن شخصياتنا الفانية.

وحين ننظر إلى مستقبل وطننا، أرى من الواجب مشاركتكم قناعاتي في الأمور التالية.

إن نظام التحالفات الذي أتى مع النظام الرئاسي، وعلى العكس المتوقع منه، لم يقم بإزالة التفرق السياسي الموجود في الساحة، وساعد على تكون الأقطاب، كما أدى إلى تضرر القيم المشتركة التي تجمع الشعب، كما إن الخطابات القاسية أثناء الانتخابات نقل الاستقطاب السياسي إلى مراحل خطيرة، وأضر بالسلم المجتمعي ومفهوم الانتماء لدينا.

إن المرشحين للانتخابات ليسوا اعداء، بل متنافسين سياسيين، والمنتصر هو شعبنا وديموقراطيتنا بغض النظر عن نتيجة الصناديق، واحترام هذه النتيجة هو وظيفة السياسيين بالدرجة الأولى، ومخاوف البقاء لا يمكن إن تكون سبباً لتعليق الديموقراطية، بل على العكس من ذلك، لإن أساس بقاء دولتنا هو المشروعية الديموقراطية.

لقد رأينا جميعاً ما ينتج عن استعداء الأحزاب المنافسة والإسقاط السياسي الذي يتفوق على التنافس السياسي، رأيناه مع الأسف في انقره في الهجوم السيء على رئيس المعارضة في موقف كان ينبغي إن نتحد فيه جميعاً في جنازة شهيد. أشجب هذا الهجوم مرة أخرى وأدعو الجميع إلى التحرك في النظام الديموقراطي بعيداً عن استخدام الخطاب السياسي المستقطب.

إن أهم عنصر أساسي في سعادة الشعب، واستمرار الدولة ونظم المجتمع هو الشعور بالانتماء، وأهم سبب ينبغي إن نحفظه جميعاً في أذهاننا هو: الجمهورية التركية هي نتيجة للإرادة المشتركة ل 82 مليون مواطن تركي، لذا فإنه ينبغي عدم تحقير أي مواطن تركي داخل الجمهورية التركية المتوجة بكرامة الإنسان من قبل أي مسؤول، والا يتعرض أحد للتمييز بسبب معتقداته أو جنسه أو إعاقته أو لغته أو عرقه أو فكره السياسي أو مفهومه للفلسفة، وألا يواجه بأي خطاب كراهية.

الفضيلة والأساس الأول للنظام الاجتماعي القائم على هذا الوعي المشترك، هي العدالة. إن أي نظام قانوني لا يستند إلى مفهوم عدالة سليمة، وإلى كافة الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تضمن حياة الإنسان، وعقله، ومعتقداته، ونسله وملكه، سيكون معرّضاً لكافة التدخلات الداخلية والخارجية، ولكافة الاعتداءات والفوضى. القانون ليس مكاناً ومجالاً لاحتكار القوة، بل مجال لممارسة الرقابة على القوة ونقلها إلى المجال الأخلاقي. مساعي السيطرة على القضاء، تحت أي مبرر ومن من قبل أيّ كان، يجب أن تُعامل كجريمة كبرى.

إن القوة التي اوقفت أكبر محاولة خائنة في التاريخ القريب في 15 تموز هي المقاومة الشريفة التي أبديناها كشعب، والشيء الذي سيحمل هذه المقاومة إلى الانتصار النهائي هو إدارة ميزان العدالة بشكل صحيح، وعلى أي قاضي أو نائب عام أثناء نظره في قضية ألا ينظر في أي أمر سوى ميزان العدالة، وألا يترك لأي تلقين أو تدخل.

إن انتهاج معايير مختلفة تجاه أشخاص منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية، تلحق الضرر بهذه المكافحة. ويجب في هذا الصدد حماية مبدأ “شخصية العقوبة” لكونه المبدأ الأساسي للقانون. هناك عدم قبول لدى الضمير العام في مسألة مكافحة منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية عندما يتم فصل موظف صغير بسبب علاقة أحد أقربائه بمستوى متدن مع المنظمة، في حين يستلم من درس فيها أو له قريب من الدرجة الأولى في صفوف قيادة المنظمة أو حتى له دور في الانقلاب أرفع المناصب في الدولة.

باتت حاجة تركيا لدستور مدني، ديموقراطي وشامل أكثر إلحاحاً اليوم من أي يوم مضى، وقد نقلت مخاوفي واقتراحاتي حول الدستور بعد الموافقة عليه من البرلمان التركي إلى السيد رئيس الجمهورية بشكل لفظي ومكتوب، ومع الأسف فقد تبين بعد مرور الوقت صدق مخاوفي، وأبين بحزن إن النظام الجديد ببنائه وتطبيقه لم يحقق تطلعات الشعب، وفي هذا الإطار علينا إن نقوم بمراجعة صريحة وجادة وصادقة في مسالة تغيير النظام.

وأول نقطة يجب إن نبدأ بها المراجعة هو سيادة الفانون وحمايتها، ومن اجل حماية دولة القانون علينا إعادة تعزيز مبدأ فصل السلطات، لقد عاشت تركيا مشاكل بسبب ثنائية الإدارة الناجمة عن دستور 12 ايلول، ومع إن النظام الجديد أزاح هذه الإشكالية، إلا إنه أضر مبدأ فصل السلطات من خلال جعل القوة التنفيذية أقوى من القوى التشريعية والقضائية، وجعل آليات التوازن والرقابة بلا فعالية.

ومن أجل ضمان توازن القوى، علينا إن نجعل القوة التشريعية قوة موازنة أمام القوتين التنفيذية والقضائية، وفي هذا الإطار ينبغي إعادة النظر في نظام الانتخابات وفانون الأحزاب السياسية، وتحكيم قوة تمثيل النواب وتقوية فعالية السلطة القضائية.

والأمر الآخر الذي ينبغي علينا النظر فيه في عملية المراجعة هو إعادة تنظيم هيكلية بناء الدولة، إن إعادة تشكيل الأسس والمؤسسات حسب الظروف المتغيرة أمر ضروري وفق سير التاريخ، وينبغي حفظ هذا التنظيم من خلال تحقيق التوازن بين الاستمرارية والتغيير، وفي حال تم إفساد هذا التوازن لصالح الاستمرارية يُفتح الباب أمام ثبات الوضع الراهن والجمود، بينما إفساد التوازن لصالح التغيير يحول الدولة إلى لوحة كتابة ومسح، ويضعف استمرارية الدولة.

وأثناء إعادة تنظيم الدولة ينبغي ترك التعصب المستند على الحفاظ على الوضع الراهن في المؤسسات، ولكن ينبغي الولاية على الذاكرة والثقافة المؤسسية بعناية، وهذا التنظيم لا يكون بقرارات آنية أو ظرفية أو كيفية، بل يجب إن يكون في ظل بصيرة وحركة قرار مشترك مع الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الزمان والاستفادة من تراكم تجارب الدولة.

في هذا السياق، تتمثل إحدى أهم سمات بنية دولتنا، في تمثيل منصب الرئاسة للمجتمع بأسره واحتضان جميع الشرائح. لا يعد الانتماء الحزبي للرئيس مشكلة كما في الأنظمة الرئاسية الديمقراطية، ولكن تولي نفس الشخص لمنصب رئاسة الحزب يشكل عبئاً على عمل الدولة وعلى العمل المؤسسي للحزب. خوض الرئيس في جدل الانتخابات يؤدي إلى ابتعاد مؤسسة الرئاسة نفسياً عن نصف المجتمع على الأقل، في الوقت الذي يجب أن تكون فيه على مسافة واحدة من كافة شرائح المجتمع وفق تقاليدنا. وفي هذا الصدد، يجب إعادة تقييم نظام الرئاسة المرتبطة بالحزب باعتباره واحداً من أهم العناصر الأساسية للنظام الجديد، بشكل مستقل عن شخصية رئيسنا، وإزالة العيوب الناجمة عن إدارة منصبي الرئاسة والرئاسة العامة للحزب في نفس الوقت.

يجب أن يتم توضيح قضايا مثل إعادة تعريف التواصل الأفقي المؤسسي والعلاقات الهرمية العمودية في مراسم الدولة، وتوضيح دور الوزارات في النظام التي تبدو محاصرة بين ما تفرضه الهوية ووظائفها، وتحديد موقف المجالس السياسية المنشأة حديثًا في هيكل الدولة. فلا يمكن لهيكل دولة ما أن يكون دائماً إذا لم يتمتع بتصور كلي، وآلية عملية انسيابية.

وبالنسبة للجيش فبسبب الموضع الجغرافي لبلدنا، فإن من الواضح إنها أمام امتحانات أمنية لا يمكن قياسها بأي دولة أخرى على الإطلاق، وأهم عنصر دفاعي لدينا وهو الجيش الذي استطاع إن يتفوق على الصدمة التي تعرض لها في 15 تموز وأعاد ترتيب نفسه داخلياً. وأهم تغيير أساسي ينبغي القيام به كي لا نعيش أي انقلاب عسكري آخر هو دمقرطة العلاقات العسكرية المدنية، وجعل الإرادة السياسية المدنية فوق كل الآليات البيروقراطية. وفي ظل استمرار التحديات الأمنية التي نواجها، يجب ألا تتوقف العملية المحقة لمكافحة تنظيمات العمال الكردستاني وداعش وحزب التحرر الشعبي الثوري وكذلك تنظيم فتح الله غولن الإرهابي والذي بدأناه بعد المؤامرات في 17-25 كانون الأول 2013 والمحاولة الانقلابية الخائنة في 15 تموز 2016.

ومع ذلك، فإن الاهتمام بموازنة الحرية والامن بدقة اثناء كفاحنا ليحمل أهمية بالغة من حيث تبني هذا النضال من قبل شريحة واسعة من الشعب. إن وسم الآراء الفكرية المختلفة بالإرهاب، واعتبار الاختلافات السياسية ضرباً من الخيانة، لأمر يضر في المقام الأول بوحدتنا الوطنية، كما أن استمرار التصور القائل بأن البلاد تعيش أزمة، أمر آخر من شأنه أن يوجه ضربة كبيرة للديمقراطية، والحياة السياسية، والحياة الاقتصادية.

من غير المقبول إن تتطور المخاوف الأمنية بعد الانتخابات المحلية الأخيرة الى منع من تم إقالتهم من وظائفهم الحكومية دون قرار من المحكمة تحت بند حالات الطوارئ من حقهم الدستوري في الترشح والانتخاب. إنه لا يمكنني حتى التفكير فيما يمكن إن يؤدي اليه هذا التعسف من خلل في الطبقي مع القرارات الادارية على المدى الطويل. حيث إن الدستور نص اساسي للجميع ولا يمكن تفسيره بتعسف.

إن توسيع مجال الحريات في أسرع وقت لهو شرط أساسي لإعادة ثقتنا بنفسنا، والأهم من ذلك كله، هو إعادة بناء ثقتنا في بعضنا البعض. فلا ينبغي لمن يعبّر عن رأيه من الصحفيين والأكاديميين وقادة الرأي والسياسيين إن يفقد وظيفته، أو إن يوصم بالعار أو يتعرض للهجوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولا إن يهدد بالإساءة. اذ يجب حماية حرية النقد والتعبير عن الأفكار حتى النهاية.

أما الصحافة التي تعتبر العنصر الأساسي للتفكير الحر والنقد والذي يصنف بكونه السلطة الرابعة في الديمقراطيات المتقدمة فقد أصبحت أداة دعاية تدار من جهة واحدة. إن الصحافة الحقيقية هي الجهاز المناعي لديمقراطيتنا. وبالتالي فإن القضاء عليه واحتكار وسائل الإعلام بطرق غير نظامية وقمعية سيحدد من كمون تركيا. في هذا الإطار، يجب إنشاء توازن جديد للأمن والحرية يتم فيها توسيع مساحات الحرية قبل إن نفقد مكاسبنا في مجال الأمن.

إن المجتمع المدني ليتجلى في ضميره لا في مبانيه الشاهقة، والديمقراطية التشاركية لتتحقق في بيئة يؤثر فيها المجتمع المدني في المؤسسة السياسية بوسائل مشروعة وبشفافية ويشرف فيها العامة على الادارة. وإن محاولة البنى السرية كجماعة غولن للوصاية على السياسة بهدف الاستيلاء على قوة الدولة بشكل غير شرعي. وجعل الدولة وسيلة للسيطرة على المجتمع المدني، لأمر ألحق ضررًا بالديمقراطية. وإن دمج المجتمع المدني في الدولة، والوصول لحالة لا يمكن معها التعبير عن الآراء حول المخاوف المختلفة، أدى إلى تدمير روح وضمير المجتمع المدني.

إن العامل الرئيسي الذي ساهم في اكتساب السياسة لمكانته مرة أخرى هو التركيز على شعار اللقاءات الثلاث (فرض المنع، الفساد، الفقر) الذي هو من أهم الشعارات الذي اكسبه حزبنا لأدبيات السياسة. وإنه لمن الصعب للغاية اليوم إن نعيد مكانة السياسة وإن نعطي المجتمع ثقة جديدة ما لم نحاسب أنفسنا بصدق بخصوص هذه الاهداف ومدى تحقيقنا لها.

إن الشرط الأساسي لفعالية حكم الدولة هو أخذها لمبادئ الكفاءة والجدارة في السياسة والإدارة العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن الاستخدام الواسع النطاق للأقارب والمحسوبية في الادارة هو السبب الأكثر أهمية والدليل الاكثر لفتا لجميع أنواعع الانحطاط وتسمم السلطة. إن انتشار هذا الفساد يجعل من المستحيل على آليات الحكم الرشيدة إن تعمل. ومن أجل تحقق الأداء الرشيد للمؤسسة السياسية والبيروقراطية، ينبغي عدم إدراج من تربطهم علاقات قرابة وثيقة في التسلسل الهرمي لإدارة الدولة، وتجنب التركيز على أصل الموظفين ومناطقهم ومدنهم، وتحقيق التوظيف الاستثنائي بوضوح وشفافية.

ومن جهة اخرى فإن ظهور العلاقات الاسرية التي ينبغي إن تبقى في مجالها الخاص الى المجال الرسمي المؤسسي ليضر بالحياة الاسرية فضلاً عن كونها تفتح المجال لظهور العلاقات التي تجاوزت خارج مجال المسؤولية القانونية. فيجب الا يتمتع أفراد عائلات السياسيين وموظفي الحكومة بأي امتيازات خاصة للاستفادة من إمكانيات الدولة كما لا يجب إن يتعرضوا أيضاً للنقد العدائي.

إن الحل القطعي لهذه القضايا المتعلقة بالأخلاقيات السياسية يكمن في سيطرة الشفافية وهيمنتها على جميع قطاع الحياة الاجتماعية. فكما إن الشفافية مبدا أخلاقي فإنها الوسيلة الاساسية لمنع أي نوع من مبادرات الوصاية كـ “جماعة غولن” وغيرها. وتحت اي هدف كان فإن الامر الذي سيحول دون الانقلاب من مؤسسات المجتمع المدني الى مؤسسات الدولة، ومن هياكل الشركات إلى المنظمات الخيرية، ومن وسائل الإعلام التقليدية إلى وسائل التواصل الاجتماعي هو تحقيق الشفافية في جميع مناحي الحياة.

ومن جهة أخرى فإنه يجب التخلص من الاجراءات التي تعطي تصور الفساد ومواجهتها مثل تحقق المناقصات العامة دون علم المجتمع، وتطبيق الاستثناءات في قوانيين المناقصات حتى لتطغى على الفانون نفسه فيصبح غير فعّالاً، وتسليم الأعمال التي تنجز بميزانيات الدولة لنفس الشركات دوماً.

في هذا الإطار، يجب اصدار قوانيين تشمل الأخلاق السياسية والشفافية وتمويل السياسات وفرض الضرائب على إعمار العمارات وغيرها من المبادئ الأساسية مثل قوانيين استخدام المصادر العامة بشكل قابل للإشراف، وعدم استخدام الإمكانيات والمرافق العامة للمصلحة الشخصية أو للشهرة وعدم وجود تصادم مصالح بين النشاطات الاقتصادية التي يقوم بها الشخص في حياته الشخصية والوظائف الحكومية التي ينجزها. وبالتالي يجب توضيح هذه الامور بشكل واضح وقطعي بحيث لا يُترك قواعد الاخلاق السياسية للتفسير الشخصي أو للفهم الاخلاقي للشخص.

إن السياسات الاقتصادية التي اتبعتها حزب العدالة كانت من أهم النجاحات التي حققتها كما إنها السبب وراء تفضيل الشعب لحزب العدالة والتنمية. فعندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002؛ كانت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة قد أوقعت الشعب في اليأس، وكان الدخل القومي للفرد قد انخفض إلى ما كان عليه قبل عقد من الزمن، مما أدى للحد من قدرة تركيا على التحرك في العديد من المجالات كالسياسة الخارجية والأمن وغيرها.

كان أساس النجاح المذهل في الاقتصاد هو استعادة الشعور بالثقة. ومن المؤسف إننا نرى اليوم كوننا أقل بكثير من المستوى الذي وصلنا إليه في الفترة الماضية. وأبرز مثال على ذلك ما حصل عام 2018، حيث انخفض دخل الفرد بالدولار الأمريكي عن مستوى عام 2007. وإن إنكار هذا الواقع في حين إن جميع شرائح المجتمع تعاني نتيجة هذا الامر لا يفيد سوى في هز الثقة في الإدارة، اذ لا يمكننا إدارة الأزمة الاقتصادية من خلال إنكار وجودها.

يوجد أزمة إدارة خلف الأزمة الاقتصادية التي نعيشها اليوم. فإذا تم اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية بعيداً عن الواقع، بما يتناقض مع ممارسات السوق وقوانيين الاقتصاد. وإذا ما ساد قناعة التصرف بكيفية وانحيازية فستتلاشى الثقة بالإدارة. ومن غير الممكن النهوض بالاقتصاد ثانيةً دون إعادة بناء الثقة. ومن أجل إعطاء الثقة للمجتمع يجب إن يكون هنالك ثقة في الإدارة الاقتصادية. ومع ذلك، فإن الثقة بالنفس لا تأتي الا بالمعرفة والخبرة وتحقيق ما يوجبانها، حيث إن الثقة التي لا تعتمد على الخبرة والمعرفة والتي يتم حلها من خلال التقارب الشخصي، تبقى مجرد مشهد مبالغ فيه بعيد عن الحقيقة.

إن استخدام أسلوب الاتهام للقطاعات التي تعيش اوضاعاً صعبة واستخدام تعابير آمرة، ومحاولة خلق التوازن اللازم على الرغم من السوق عن طريق الضغط، وإخافة المستثمرين العالميين التي تحتاجهم تركيا من أجل التنمية، وكل ذلك من أجل إنقاذ الصورة، كلها طرق يجب تجنبها تماماً. حيث إن توقعات المواطنين من الحكومة ليست إدارة الاضطرابات والقلاقل إنما إن تقوم بحماية وظائفهم وغذائهم ورفاهيتهم.

إن الشرط الأساسي للنجاح الاقتصادي هو إحكام سلطة الفانون مطلقاً، لإن قيام بيئة الاقتصاد التنافسي المتحيز للمستثمر يعتمد على خلق جو من سيادة سلطة الفانون والعدل والمساواة بين المستثمرين. ولا يمكن إن يكون ذلك إلا بسلطة قضائية مستقلة وفعالة وغير متحيزة في اتخاذ قراراتها، وأهم من ذلك كله موافقتها للحقوق العالمية.

تم تعيين فلسفة الحزب الاقتصادي منذ نشأتها باقتصاد السوق الحر، وهي عبارة عن هيكلة اقتصادية قائمة على عدم تدخل الدولة في الاقتصاد بشكل اعتباطي ومباشر، ويتم تحديد أسعار السلع بناء على العرض والطلب. فالقرارات التي تم اتخاذها مؤخراً في الادارة الاقتصادية تجافي مبادئ السوق الحرة. أمّا في اقتصاد السوق الحر تقوم الدولة بتوجيه الاقتصاد عن طريق وضع قواعد عامة وموضوعية ومراقبة تطبيقها. والمراقبة والتدقيق يجب إن تكون محكومة بمبادئ متحيزة وموضوعية مستقلة، ولا تستخدم كأداة ضغط وتهديد. والتدخل المباشر في ودائع البنوك والسياسات الائتمانية في هذا الإطار لن تجدي نفعاً.

باعتبار إن الاقتصاد يسير في بيئة دولية فإن علينا إن نسعى للعمل على إعفاء التأشيرة ومراجعة الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي الذي كان في المرحلة النهائية في 2016 مما سيعمل على اضفاء تسارع جديد على اقتصادنا.

إن إضفاء الطابع المؤسسي على الاقتصاد كان عنصرا مهما في نجاح العدالة والتنمية قديماً، لكن دخول الوساطة والمحسوبية في التوظيف الحكومي مؤخراً بدلاً من الأحقية والأهلية، والاعتباطية في إدارة بعض المؤسسات أدّت إلى ضياع الذاكرة المؤسسية وثقافتها مما أضر ضررا بالغا على الطابع المؤسسي.

إن ممتلكات الدولة العامة هي أمانة الشعب لإداري الدولة. لكن ألاحظ متأسفاً في الآونة الأخيرة مظاهر الاسراف والمبالغة لبعض إداري الدولة. إضافة إلى إن زيادة مصاريف المؤسسات الحكومية باستثناء الفوائد مما تسبب في عجز الموازنة ومواراها بحجم الواردات أدت إلى زعزعة الثقة. لذلك الشفافية والمحاسبة الموضوعية ضرورة ملحة في مؤسسات الدولة.

إن الثقة عنصر أساسي في البيانات المعلنة ضمن القرارات المتعلقة بالاقتصاد. لكن للأسف هناك بعض الإجراءات مؤخراً تهز الثقة بالبيانات المعلنة. علاوة على ذلك، عندما تهتز الثقة في إن البيانات الاقتصادية تعكس الوضع الحقيقي بشكل كامل وبدقة وكاملة، تنتشر الأخبار والتكهنات حول استخدام أساليب بعيدة كل البعد عن الشفافية ويطلق عليها “عملية الباب الخلفي”.

مما يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الصرف وأسعار الفائدة. وبالتالي إلى ذهاب تعب وعرق العاملين والمصنعين هباء منثورا. فرأس مال الادارة الاقتصادية الأكبر هي الصدق ورصيدها الأعظم هو الائتمان. وعلينا إعادة هيكلة أداء الإدارة الاقتصادية بما يتماشى مع هذا المبدأ.

والحل تقليل التضخم بشكل دائم، وزيادة القدرة على التنبؤ في الاقتصاد وتقليل المخاطر، وخلق بيئة استثمارية جاذبة تجعل رأس المال العالمي يأتي إلى تركيا للاستثمار بسلام ولا يضطر رأس المال المحلي إلى البحث عن سبل للخروج من تركيا باحثاً عن مكان آمن للاستثمار. في مثل هذه البيئة، تنخفض أسعار الفائدة بشكل دائم، وتكتسب الليرة التركية قوة وسمعة. وفي النهاية أؤكد إن ما يتعين علينا القيام به الآن مواجهة التحديات القوية التي وجهناها في السنوات الأخيرة هو تحرير عقولنا وتجديد نفسياتنا، وتعزيز روابطنا الاجتماعية واتخاذ الخطوات اللازمة نحو مستقبلنا المشترك.

أدعو مسؤولي حزبنا والهيئات المختصة لدراسة كل هذه المواضيع ورؤيتنا المستقبلية بعقل سليم ودم بارد، كما أدعو جمهور حزبنا المضحي إلى الاستعداد للمستقبل بوقفة وقورة وبثبات دون الوقوع في اليأس، كما أدعو قادة الفكر والمثقفين والمواطنين من كل الأحزاب إلى الوقوف كتفاً بكتف من اجل مستقبلنا المشترك على أساس ضميرنا وإرادتنا وعقلنا المشترك، اليوم هو يوم لقاء عقل الدولة بكرامة الإنسان وضمير الشعب.”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق