سيـاحـة وسفـر

“ساماتيا” بإسطنبول.. عبق التاريخ يفوح من بين الأزقة

أحياء كثيرة في إسطنبول لا تزال شاهدة على تاريخ عريق للمدينة، تحتفظ بهويتها وأزقتها وبيوتها العتيقة، لتحكي عن التاريخ، وهو ما يمكن رؤيته بوضوح بحي “ساماتيا” الواقع داخل الأسوار القديمة.

الحي، الذي يتبع إداريا منطقة الفاتح، واسمه الحالي “كوجا مصطفى باشا”، يحافظ على اسم “ساماتيا”، يقع داخل أسوار إسطنبول القديمة على ساحل بحر مرمرة.

ولا زالت أزقتها القديمة، المرصوفة بالأحجار، تشهد بالطراز المعماري القديم، وبالتاريخ العريق لإسطنبول، فباتت مقصد للزائرين والسائحين.

juri shampoo

أزقة الحي تصل إلى ميدانه المتميز، والمغلق أمام السيارات؛ حيث تفوح رائحة الأسماك في كل مكان، إذ يعتبر الحي مكانا متميزا لعشاق الأسماك سواء من يريد شراءها بشكل حر، أو تناولها في المطاعم المنتشرة بالميدان مطهية بأطيب شكل.

وترتصف عشرات الطاولات أمام المطاعم والمقاهي على الأرصفة، تستقبل زبائنها الوافدين لتناول وجباتهم في الميدان الذي يمكن وصف أجوائه بالقديمة والمتميزة، والتي تذكر الزوار بالزمن الجميل وسنوات الطفولة.

وما يجعل الأجواء التاريخية مسيطرة هي البيوت القديمة الخشبية التي رُمم قسم منها، والبقية ظلت شاهدة على التاريخ، وهي بيوت غير مرتفعة فهي مكونة من طابقين أو ثلاثة على الأكثر، فبات الحي قديما بسيطا بعيدا عن تعقيدات الحياة المعاصرة وأبنيتها المرتفعة.
وبنظرة تاريخية على الحي يمكن الحديث عن أنه كان يجمع الأقليات، حيث سكن فيه – إلى جانب الأتراك – كل من الروم والأرمن واليهود، واشتهر الحي سابقا بأنه حي التجار والحرفيين، ويضم إضافة للجوامع مجموعة من الكنائس التي تتعانق مع بعضها البعض حتى يومنا هذا.
كما أن الرمل المستخرج قديما من البحر كان يخزن قسم منه في الحي، فجاء اسم “ساماتيا” التي تعني “الرملية” باللغات القديمة، ويمكن من الحي رؤية الأسوار القدينة لإسطنبول وخاصة الأسوار الجنوبية، ولا تزال تلك الأحياء تحافظ على هدوء الحياة، من صخب المدينة الكبيرة.
وتصل خمسة أزقة صغيرة إلى ميدان الحي، تنتشر يمنة ويسرة مطاعم السمك والمقاهي؛ حيث استضافت تلك المقاهي أحداث بعض المسلسلات ومنها مسلسل “الربيع الثاني”، ولا يزال المقهى الذي ظهر في ذلك المسلسل مركزا للرواد والزائرين للميدان.
ونجح سكان الحي في الحفاظ على هوية الحي وخاصة الميدان، ما جعله استديوهات مفتوحة لتصوير الأعمال الدرامية، ومن تلك الأفلام والمسلسلات “الربيع الثاتي”، و”الأيام السعيدة”، و”القرود الثلاثة”، و”موسم الصيد”.
ويمكن رؤية حبال الغسيل التي تقتطع البيوت في تلك الأزقة، المحافظة على البيئة القديمة، فيما تنتشر دكاكين البقالة، ويلعب الأطفال بالكرة، تماما كما في الماضي، وهناك سعي حثيث من الأهالي للحفاظ على تلك الهوية المتميزة في الحي.
أما في واحدة من أهم قصص الحي، فهي عائلة أرمنية هاجرت من مدينة طرابزون إلى حي “ساماتيا”، في بدايات القرن السابع عشر، وبعد إنتاج الطناجر الكبيرة، بدأت العائلة بإنتاج أجراس بتقنية خاصة بها، ليكتسبوا شهرة كبيرة بتصدير تلك الأجراس العثمانية إلى كل دول العالم ومنها الولايات المتحدة، وتصبح حكاية عائلة مصنع الجرس شهيرة جدًا.
كذلك تحوي أزقة الحي على متاحف طبيعية خاصة متميزة، ويمكن لكل زائر للمنطقة أن ينفصل من الواقع لفترة زمينة، يعود فيها للتاريخ، وبعدها يجد في مقاهي الحي التراثية، راحته بعد تلك الجولة.
ويشتهر في الحي نبع ماء قديمة تعود للعام 1796، كانت تروي ظمأ العائدين من صيد الأسماك، كما أنها كانت تروي الركاب الذين ينتظرون القطار؛ حيث كانت تقع محطة القطار بالقرب من الحي.
وتعرض الحي في العام 1866 لحريق أتى على كثير من مبانيه ومعالمه، ولكن جرى إعادة بنائه من قبل فاعلي الخير مجددا، كما كانت في السابق، من بينها مدرسة أرمنية لا زالت حتى الآن تفتح أبوابها للطلاب، ولديها مكانة متميزة في التعليم بتركيا.
موقع الحي، الذي يقع في منطقة الفاتح يجعلها قريبة على الأماكن السياحية المتميزة في إسطنبول وأحيائها المركزية، ويمكن الوصول إليها بسهولة، وتشكل حاليا هذه المنطقة، نقطة جذب كبيرة للزائرين الأتراك من أهالي إسطنبول، والسياح الأجانب القادمين.
وتتضمن معظم برامج السياحة في الوقت الحالي، وخاصة للسياح الأوروبيين زيارة لهذا الحي، من أجل الاطلاع على التاريخ القديم الحافل لإسطنبول، حيث يعتبر الحي نموذجًا للتعايش المشترك بين مختلف الأديان والأقليات والأقوام.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق