مقالات و أراء

سكان الأرض الجدد

إن كنا نريد بناء مجتمع متحضر يواكب الحداثة بكل أشكالها، فلابد لنا من تمهيد الطريق والتحضير لمشروعنا بما يلزم، وإن كنا نتطلع بأن يكون مستقبل البلاد الى افضل، مستقبل خالي من كل المعوقات في سبيل التحقيق، هنا واجب علينا الاهتمام بتجهيز جيل واعي لديه القدرة والثقافة للسير بمشروعنا التنموي، أما الأدوات فهي ليست بالمال ولا التكنولوجيا، وإنما الاستعانة بقدرات اكتسبها الطفل في صغره، ألا وهي السلوك السوي و الثقافة.

 

 

ليس غريبا على أحد الحال الذي وصلت له بعض البلدان العربية التي عانت وتعاني من الحروب، وليس بعيدا او مخفيا الدعم الذي تقدمه بعض الدول للشعوب التي فرض عليها العيش بهذه الظروف، ورغم هذا أجزم أن المستقبل ليس جيد برغم الدعم الممنوح، ولن يكون لهذه الشعوب مستقبل مشرق حتى وان صارت الأحلام حقيقة.

فلا اعادة إعمار المدن ولا دوران عجلة الطاقة ولا عودة الحياة الى ما قبل كابوس الحرب كفيلة بتحقيق المكاسب، وأؤكد أنه يبقى شيء خطير يقف عائقا بين الحرب و الأمان والسلام ألا وهو السكان الجدد، وهنا قد اختصرت التسمية بجيل انولد في الحرب وعانى من آثار الحرب نفسيا وصحيا وثقافيا، فكيف لنا ان نعمر ونبني ونحاول تسوية الامور وقد نسينا ان هناك جيل غير قادر على التعايش، جيل غير قادر على الحفاظ على ما أصلحنا .

 

 

يدور في ذهني آلاف المشاهد لاطفال انولدوا في مخيمات النزوح واللجوء، وايضا آلاف من المشاهد لاطفال ناموا على صوت المدفع وهم يلتحفون الخوف، وصور كثيرة لأطفال تشردوا في الشوارع في سبيل التسول أو عدم وجود ملجأ، فأي مستقبل ننتظره من هؤلاء الأطفال الذين كثر فيهم الزمن سنين لم يعيشوها، وكيف لي أن أطالب أو أحلم بمستقبل مشرق و سكانه الجدد لم يعهدوا الراحة.

 

ومع هذا التقصير من قبل المجتمع، تصر الحكومات المتعاقبة في هذه البلدان بأن تنسى هذا الطفل، وتنسى أن يكون دعم هذا الجيل أولوية وهم لم يذكروه في جدول الأعمال، استغرب كيف ان كل حكومة أو سلطة يكون مشروعها مكافحة الفساد والارهاب والإعمار والأمن والذي تدفع له مليارات، كيف تغض النظر عن جيل غير قادر على التعايش، ولم تبني له مدرسة أو مركز صحة نفسي حتى.

 

تقارير عديدة لمؤسسات وجمعيات إنسانية تابعة للأمم المتحدة تتحدث عن أن مئات الآلاف من الأطفال الذين انولدوا في الحرب يعانون من أمراض نفسية، وايضا نفس العدد لاطفال في التاسعة من العمر أميين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، فأين هو هذا المستقبل الذي ينتظر البلاد المشمولة بهبات معيدي الإعمار والناظرين لمستقبل أفضل، وكيف للسكان الجدد ألا وهم الأطفال، كيف لهم أن يتعايشوا معي أنا صاحب المسألة وسببها، كيف لي أن أقدم لهم مستقبلا واعدا لا يستطيعون ممارسة الحياة فيه لكونهم لم يكونوا جزءا من الإصلاح ولا مستفيدين منه.

 

العمل من أجل مستقبل البلاد هي كلمات رنانة وشعار نبيل، ولكن المستقبل ليس ببناء الحجر وإنارة الأضواء، وإنما المستقبل بالاهتمام بتربية جيل صالح مثقف يستطيع تفعيل مشروع الإزدهار، ولكن إن بقينا كمجتمع ناسين هذا الجيل وليس محض اهتمام لا تربية ولا تعليم ولا محو آثار ومخلفات الحرب النفسية، فسيذهب كل شيء سدا وسيعاد ما مررنا به من خراب بهمة وأفعال الجيل المنسي الذي سيملك الأرض من بعدنا.

أتمنى من هذا المجتمع الحفاظ على الأطفال وحتى ان لم يكن لهم زمان ولا مكان للتعليم، اتمنى ان يكون كل منزل مدرسة وكل خيمة دار علم، فما تعلمه الآباء ليس صعبا على تعليمه للأبناء وهذا أضعف الإيمان.

 

 

بقلم : أ علاء الدين لاذقاني
كاتب سوري و مستشار في العلاقات الدولية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق