مقالات و أراء

سوريا ولبنان على خطى السلام و التطبيع مع اسرائيل 

لم يعد الحديث عن العلاقات الحكومية العربية مع دولة اسرائيل موضوعا يناقش في الخفاء او في الغرف المغلقة من خلال تفاهمات معينة تقودها المصالح , وانما الذي أقدمت عليه دولة الإمارات فتح الباب لتكون العلاقة علنية وعلى مرأى الشعوب العربية , ليصبح التطبيع واقع لايمكن التراجع عنه او اخفائه .

 

 

تهافت التصاريح والأخبار على الإعلام يهيئ الحالة لتكون الأمة العربية أمام انقسام داخلي , محور مع التطبيع ومحور ضده , وهو ما يعتبره العديد من السياسيين والمفكرين الاستراتيجيين انه بداية شق للحلف العربي الواحد , فإما أن تكون عربياً مع اسرائيل او ان تكون عربياً مع إيران . وهو ما يعني أنه بداية لانهيار الامة العربية الواحدة , والتي لطالما تغنت بها الشعوب العربية مضرب الأمثال عبر الزمن في التعاضد الاخوي والعرقي والديني . 

 

ما تسعى اليه اسرائيل اليوم من هذا التطبيع يبتعد كل البعد عن ما تشيعه بعض وكالات الاعلام عن ان اسرائيل استماتت تستأمن جور العرب , وإنما الدول العربية هي التي سعت من خلال هذا التطبيع مع الكيان الاسرائيلي , لتجعل دولة بحجم اسرائيل العصا التي تلوح بها على اعدائها ان لزم الامر , مثلما يعلم الجميع ان دول الخليج ليست بمأمن اقتصادي أو جغرافي من الجارة المهددة للامن الخليجي ألا وهي إيران ، ولطالما عولت الدول الخليجية على التحالفات العربية العسكرية و بان فشلها وتفككها في حرب اليمن ,اقدمت الدول نفسها لتفعيل تحالف خليجي امريكي واحد كلفها المليارات من خلال صكوك الشراء لأسلحة اقل تطوراً من ما يمتلكه أعدائها , ولكن أمريكا التي تبيع ولا تشتري و تاخذ ولا تعطي بحكم سياستها الاستغلالية جعلت الدول العربية تفكر ببديل يأمن ويحمي مصالحها البرية والبحرية من جور إيران فما وجدت الا ابناء العم  سندا وقوة بديلا عن البالون الامريكي الفارغ والبارع في الاقوال لا الافعال .

 

 

 

تبدلت سياسة الحكومات العربية في أن تحولت إسرائيل من كيان صهيوني إحتل فلسطين ,الى كونها بلدا احتضنت شعوب شتتها الأقدار أصبحت ذات قوة يمكن التحامي بها . والعدو المشترك واحد ألا وهو إيران التي يمكن التحالف مع إسرائيل  لأجل الإجهاز عليها .

 

اليوم اذا اردت معرفة من البلد المقبل على التطبيع مع اسرائيل يجب ان تبحث عن الدول المتضررة من ايران التي لطالما غزت البلاد العربية بحكم الدين لا بالسياسة .

 

تدخل فرنسا بلبنان  بزخم معنوي وسياسي من روسيا التي تعتبر ايران العقبة الوحيدة في مشروعها التمددي في البلاد العربية والتي جعلت لبنان بلدا يعيش بين الفقر والانفلات الأمني والانهيار الاقتصادي بسبب هيمنة حزب الله وسلاحه نشط حالة تدخل فرنسا بالصراع اللبناني اللبناني ، وبما أنه قد بدا أن حزب الله لم يعد جهة مرغوبة بها في لبنان لما سببته من تحولات سلبية على بلد الأرز وخصوصا الحكومة الاخيرة التي شكلها برئاسة حسان دياب رغم انسحاب الكتل الكبرى فهو في زوال بهمة اتفاقية خليجية امريكية فرنسية وبدعم روسي يسحب الثقة من ايران و ينهي حكمها على لبنان , لتكون لبنان في المستقبل القريب في طريق التطبيع مع اسرائيل , بداية من الدخول في تفاهمات بين اللبناني والاسرائيلي على الأراضي والحدود المشتركة ، لتنتهي العلاقة الاسرائيلية اللبنانية  بسلام مرضي عنه شعبياً وحكومياً بحجة السلم و الأمن القومي .

 

جارة لبنان سوريا , ايضاً عانت من سطوة ايرانية اهلكت قوة النظام الحاكم  وجعلت المجتمع الدولي يرفض أي بقاء للسلطة مادامت ايران موجودة , مما جعل العائلة الحاكمة تستهوي القادر الروسي الذي لديه مطامع معروفة إن كانت اقتصادية او عسكرية وبعيد كل البعد عن المنحى الديني الذي مارسته إيران وارادت بسطه في تمددها الشيعي في سوريا ، وهو خطر كبير وجدته السلطة السورية في أنه يسبب عقبات ضعف ما تعانيه , ويضاف اليه  رفض شعبي وتململ وصل حد التمرد على السلطة من قبل الطوائف الاخرى التي تعتبر الشيعة في سوريا النسبة الأقل حظاً من بين الطوائف التي يجب أن تكون بمكان الحاكم ، وهو ما جعل السلطة في سوريا بين خيارين : إما رحيل الاسد وافساح المجال للمعارضة لتسوي الامر مع ايران ،  او رحيل ايران وبقاء الاسد ، وهو ما سيجعل النظام السوري يلجأ للتطبيع ايضا مع اسرائيل لنفس الأسباب التي ستعلن عنها لبنان ، الا وهي الخلاص من إيران وتبادل الثقة مع المجتمع الغربي وإرضاء روسيا الاقل طمعا من الفرس . 

 

اما عن العراق المسير بحكم شيعي وسطوة ايرانية معلنة من اقصاه الى اقصاه سيكون خارج خطة السلام لكونه متأصل بهيمنة البلد الجار إيران دينيا وعقائديا , بالاضافة الى انه غير مرحب فيه بخطة السلام من قبل اسرائيل بحكم الغالبية الشيعية التي تنتمي إليه والتشدد الديني سنيا كان  او شيعا والمعروف انه متأصل بمعاداة اسرائيل، فكون ان هناك تطبيع أو سلام , اذاً هناك فتح الحدود وتبادل زيارات ومعاهدات اقتصادية وتفاهمات أخرى , لهذا يرى البعض أن إسرائيل لن تستأمن للسلام العراقي بزيارتها إلا إذا تحقق المشروع الذي سعت اليه تل أبيب في ان تجعل العراق أقاليم على منهج كردستان ليتحقق لها النصيب في أن تستولي دولة آشور في الشمال العراقي وبابل وسومر في الجنوب وهو اعتقاد يهودي قديم  يتلخص في أن قيام دولة اسرائيل لا يتحقق الا في خراب اشور وبابل ومن بعدها الاستيلاء عليهما ليعود لدولة اسرائيل هيبتها , وهذا لن يتحقق الا بتقسيم العراق كبلد تباح فيه الإدارة الذاتية والحكم بشكل دويلات .

 

اذا غير مستبعد من بعد البلاد الخليجية التي تلت والتي ستمضي ان تكون لبنان وسوريا في ذات المشهد الا وهو تطبيع محدود مع اسرائيل بوساطة روسية تجعل هذه البلاد منفتحة على العالم من جديد ومقبولة بحكوماتها ورؤسائها من قبل المجتمع الغربي من بعد ما لاقته من هيمنة وضرر سببته السطوة الايرانية , لتعود البلاد الى زهوتها بعيدا عن الخطابات الرنانة مثل المقاومة والممانعة والتحرير . 

 

ايران وقد سنحت لها الفرصة لتكون ذات قيمة وقوة في بلاد العرب ساقتها أفعالها الغير مدروسة وسياستها المبنية على الدين والمعتقد الذي ولا عليه الزمن  , لتكون البلدان التي احتضنتها وأطعمتها من خيراتها تتحالف مع الشيطان لا مع اسرائيل فقط في سبيل الخلاص والاستقرار الداخلي الذي بعثره الفرس على هذه الأراضي التي عاشت عقود من الزمن تنبذ الفتنة وتردع الطائفية . 

 

الشعب العربي بالتأكيد يرفض فكرة التطبيع وفكرة نسيان المذابح التي افتعلها الكيان الصهيوني بالشعب الفلسطيني , ولكن جور القدر وانهيار الدول جعل الجميع يفكر في الخلاص ولو جاء هذا ضد الأفكار والمعتقد . 

 

اسرائيل اليوم ومع كل الأسف اقوى بعزيمتها وتماسكها من الامة العربية التي فرقها القادة و فككتها المصالح , واذا اردت ان تكون واقعيا بادر للعمل لاجل مصلحتك كي تخرج بأقل الخسائر لا أن تخسر نفسك وتندم على إيمانك بشيء لن يتحقق . 

 

كان الله في عون الشعوب التي صدمها التاريخ و يصدمها الواقع و سيصدمها المستقبل . 

 

 

 

علاء الدين لاذقاني
كاتب سوري ومستشار في العلاقات الدولية والدبلوماسية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق