أخــبـار مـحـلـيـة

«على تركيا أن تعود أو ندعم خصومها».. ضغوط بالكونغرس لتغيير السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط

يضغط مُشرِّعون أمريكيون كبار من كلا الحزبين -الديمقراطي والجمهوري- نحو تغييرٍ محتمل لنهج واشنطن تجاه أحدث نقطة ساخنة في العالم، منطقة شرق البحر المتوسط، بهدف صد النفوذ الروسي هناك والتهديد بالتخلّي عن علاقةٍ أمنية تمتد لعقود مع أنقرة، خاصة مع تزايد الأزمات بين امريكا وتركيا.

وبحسب مجلة Foreign Policy الأمريكية يهدف مشروع قانون جديد بمجلس الشيوخ الأمريكي، قدَّمه السيناتور الجمهوري ماركو روبيو والسيناتور الديمقراطي روبرت مينينديز الثلاثاء 9 أبريل/نيسان، لإعادة رسم السياسة الأمريكية تجاه زاوية من العالم أصبحت، بفضل الاكتشافات الكبيرة للطاقة بها والمغامرات العسكرية الروسية والغموض التركي، نقطة توتُّر محتمل بين القوى الكبرى.

ويُعَد مشروع القانون تجميعاً لبعض الأفكار الأمريكية القديمة، مثل المساعدة في تسريع تطوير موارد الغاز الطبيعي البحرية الوفيرة المُكتشفة حديثاً في المنطقة، ممزوجاً بلغةٍ أكثر تشدداً بكثير تجاه تركيا، الحليف طويل الأمد للولايات المتحدة.

يحاولون إقناع تركيا بالعودة إلى مكانها الآمن بجوار أمريكا

قال مايكل لاي، الخبير بشؤون شرق المتوسط في مؤسسة صندوق مارشال الألماني البحثية في الولايات المتحدة، إنَّ أفضل طريقة لفهم التشريع هو أنَّه خطوة رمزية لإقناع تركيا بالتراجع والعودة مجدداً إلى مكانها الآمن بجوار الولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلَّق بمغازلتها مع روسيا.

وأضاف: «أعتقد أنَّه يمكنكم النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها واحدة من ناقلات النفط مَضرب المثل تلك التي تستغرق وقتاً طويلاً كي تُغيِّر اتجاهها. لكنَّها تبدأ الآن في التحول بعيداً عن تركيا، وهذا بحكم التعريف يعني التحول باتجاه الفاعلين الآخرين في شرق المتوسط».

يحذر مشروع القانون على تركيا التنقيب عن البترول في الجوار

ومن شأن مشروع القانون بالتحديد إنهاء حظر على السلاح تفرضه الولايات المتحدة على قبرص منذ ثلاثة عقود كان يهدف لجعل إعادة توحيد الجزيرة المُقسَّمة مهمةً أسهل، في خطوة تُمثِّل قرصة أذنٍ لتركيا وفي الوقت نفسه تُوفِّر بديلاً للعتاد العسكري الروسي، ويُحذِّر تركيا على وجه التحديد من التدخُّل في عمليات التنقيب عن الطاقة في جوارها، كما فعلت في السابق مع قبرص.

ومن شأن مشروع القانون كذلك أن يُعزِّز التعاون العسكري مع قبرص واليونان، وتسريع استغلال وتصدير اكتشافات الطاقة في المنطقة، وتوطيد الاصطفاف الوليد من جانب الولايات المتحدة مع اليونان وإسرائيل وقبرص، ومحاولة إجبار تركيا على الخروج من الحضن الروسي، أو الحضن الأمريكي.

تبعات الـ إس- 400 مستمرة

تقاربت تركيا، العضوة الرئيسية بحلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1952، ببطءٍ في السنوات الأخيرة مع روسيا، فوقَّعت عقوداً ضخمة في قطاع الطاقة وعمَّقت التعاون الدفاعي. وفي الآونة الأخيرة، مضت تركيا قدماً بخططٍ لشراء نظام دفاع جوي روسي الصنع، وهو القرار الذي وصفه نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس الأسبوع الماضي بـ»المتهور»، والذي يقول المسؤولون الأمريكيون إنَّه قد يُعرِّض قدرات الدفاع الأمريكية والعلاقة الأوسع نطاقاً للخطر.

وينطوي مشروع القرار الجديد على إجراءٍ لمنع تسليم تركيا مقاتلات F-35 إن هي مضت قدماً بشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400. (قالت تركيا الأربعاء 10 أبريل/نيسان إنَّها ستُعجِّل بعملية تسلُّم المنظومة المثيرة للجدل).

وإذا ما نظرنا إلى مشروع القانون وقمة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الإقليمية الأخيرة في إسرائيل، سنجد أنَّ العناصر المختلفة لمشروع القانون تضيف مزيداً من التفاصيل إلى قمة بومبيو وتُكمِّلها وقد تُمثِّل إعادة تقييمٍ للسياسة الأمريكية في شرق المتوسط بما يمكن أن يؤدي إلى تداعياتٍ تاريخية.

تركيا قد لا تكون حجر الأساس للسياسة الأمريكية في شرق المتوسط

قال سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «هناك إدراك متنامٍ داخل الحكومة الأمريكية بأنَّ تلك الأزمات مع تركيا تتحول إلى سمةٍ دائمة، والتصور هو أنَّ تركيا تبتعد تدريجياً عن الولايات المتحدة. فللمرة الأولى منذ الخمسينيات يتساءل صانعو السياسة الأمريكيون أي بلدٍ من اليونان وتركيا هو الذي سيكون ركيزة السياسة الأمريكية في شرق المتوسط».

وفي حين أنَّ التشريع يُعَتبر جزئياً طلقة تحذيرية لأنقرة، قال جاغابتاي إنَّه يعكس حقيقةً ضمنية: «الإدراك (على الصعيد) الاستراتيجي أنَّ تركيا قد لا تكون حجر الأساس للسياسة الأمريكية في شرق المتوسط».

ويربط مشروع القرار عدة مسارات مختلفة للسياسة الأمريكية تجاه شرق المتوسط. فمن ناحية، يهدف المشروع لتطوير اكتشافات الغاز الضخمة قبالة السواحل الإسرائيلية والمصرية والقبرصية التي يأمل المسؤولون الأمريكيون أن يكون بالإمكان أن تصبح مصدراً بديلاً للطاقة في أوروبا، التي تعتمد بشدة على واردات الغاز الطبيعي الروسي.

ويسعى التشريع أيضاً إلى التصدي لنفوذ روسيا في المنطقة

تنامى الوجود الروسي باطراد على مدار العقد الأخير بعد تعزيز تلك الأخيرة علاقاتٍ مالية ودفاعية أعمق مع بلدان مثل تركيا واليونان وقبرص ومصر وحتى إسرائيل. إضافة إلى ذلك، فمنذ قفزت روسيا إلى الحرب الأهلية السورية عام 2015، بات وجود موسكو العسكري المتزايد في المنطقة مبعث قلق للمُخطِّطين الأمريكيين. (في الشهر الماضي فقط، أرسلت موسكو سفن السطح والغواصات الإضافية من أسطول البحر الأسود إلى قاعدتها في سوريا). ويدعو مشروع القانون لإرسال تقارير إلى الكونغرس بشأن جهود روسيا للتدخُّل في بلدان المنطقة.

وأخيراً، يسعى مشروع القانون لإرسال رسالة واضحة إلى تركيا، التي إلى جانب خلافها مع الولايات المتحدة، للعودة إلى حالة التوافق مع الولايات المتحدة.

ظهور الطاقة بشرق المتوسط جعل أمريكا تهتم بالمنطقة

وإن كان للولايات المتحدة اهتمام متجدد بهذا الجزء من العالم، فإنَّ أحد الأسباب الكبرى لذلك يكمن في اكتشافات الطاقة التي جرى العثور عليها في السنوات الأخيرة. إذ وجدت شركات الطاقة مخزونات كبيرة من الغاز الطبيعي قبالة سواحل إسرائيل ومصر وقبرص، ولا تزال الاكتشافات مستمرة. وتوصلت شركة إكسون موبيل هذا العام إلى واحدٍ من أكبر الاكتشافات في العالم قبالة قبرص.

ولا تحتاج أمريكا، التي غمرتها ثرواتها من النفط والغاز الطبيعي، إلى هذه الاكتشافات، لكنَّها تظن أنَّ أوروبا ربما تكون بحاجة إليها. إذ تعتمد أوروبا على روسيا للحصول على أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وعلى الرغم من مرور عقد من الجهود للتخلص من الحاجة إلى الطاقة الروسية، فإنَّ هذه الاعتمادية ما تنفك تتزايد.

ويسعى مشروع القانون الجديد لمجلس الشيوخ، مثل الكثير من المحاولات الأمريكية التي سبقته، إلى تحويل طفرة الطاقة شرقي البحر المتوسط إلى هراوة تستخدم ضد الهيمنة الروسية على الطاقة، مما يرجح أنَّ الاكتشافات الجديدة من الممكن أن «تدعم الجهود الأوروبية للتنويع» بعيداً عن الغاز الروسي.

لكن ثمة مشكلتان في اكتشافات الغاز الجديد

أولاً، إنَّ كل هذا الغاز الجديد له وجهة بالفعل، ألا وهي البلدان المجاورة. فالاكتشافات المبكرة في إسرائيل ومصر، التي كان المطورون يأملون أن تُشحن بطريقة ما إلى الأسواق البعيدة، قد انتهى المطاف باستهلاكها محلياً، ما أطاح مصادر الوقود الأكثر تلوثاً وقلل من حاجة المنطقة إلى الغاز المستورد.

وقال نيكوس تسافوس من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «أحد الأمور التي تشعرني بالإحباط هي استمرار النظر إلى شرقي المتوسط ضمن إطار التنويع الروسي والأوروبي للمعروض. إنَّ ما تعلمناه أنَّ كل اكتشاف انتقل إلى (طور) التنمية مخصص للسوق الإقليمية».

وحتى لو كان ثمة حقول عملاقة إضافية مثل الحقل الذي اكتشفته شركة Exxon لتوها، والذي فتح الباب للصادرات المستقبلية، فلا يزال ثمة سؤال شائك حول كيفية توصيل الغاز للسوق. ربما يكون تجميد الغاز وشحنه في صهاريج فعالاً من حيث الكلفة لكنه سوف يتطلب كميات أكبر من الغاز والكثير من الاستثمارات المقدَّمة.

وكبديل لذلك، لطالما كانت إسرائيل وقبرص واليونان تحلم بخط أنابيب شرق البحر المتوسط من شأنه جمع كل الاكتشافات الجديدة وضخها إلى جنوب أوروبا. لكنَّ خط أنابيب مثل هذا سيكون غير اقتصادي إلى درجة كبيرة، ذلك أنَّ قاع البحر المتوسط عميق للغاية، وهو ما يجعل تشييد خط أنابيب أمراً شاقاً ومكلفاً، ولا ينطوي التشريع على ما يكفي لدعم تلك الفكرة لتصبح حقيقة.

لكن العقبات أكبر من أي شيء مقترح في مشروع القانون هذا

وقال تسافوس: «فيما يخص خط أنابيب شرقي البحر المتوسط، فليس ثمة شيء في مشروع القانون الحالي أو السياسة الأمريكية من شأنه أن يزيد من احتماليته. فالعقبات أكبر من أي شيء مقترح في مشروع القانون هذا».

في الحقيقة، وبالنظر إلى التقدم المحرز خلال السنوات الأخيرة في التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، فإنَّ إسرائيل ومصر، مثلما حدث في حالة إسرائيل والأردن، قد تغلبتا على العداوة السياسية لتوقيع اتفاقيات لتصدير الغاز، ومن الممكن لو دخلت الولايات المتحدة بثقلها في شرق البحر المتوسط أن يسبب هذا الدخول اضطراباً في كل شيء.

وقال تسافوس: «ثمة هذا الشعور: أنه فور بدء سريان الأمور، فإنك  تستثير الأحداث حقاً»، ومع التشريعات العدوانية واحتمالية إعادة الاصطفاف في جميع أنحاء المنطقة فإنَّ «جهود حكومة الولايات المتحدة ينبغي أن تتركز في نزع فتيل النزاعات، لا إثارتها».

 

 

عربي بوست

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق