مقالات و أراء

عن مستقبل التواجد التركي في ليبيا

في مناسبتين مختلفتين كررت وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية نجلاء المنقوش حديثها عن ضرورة خروج القوات الأجنبية من بلادها، خاصّةً تركيا بشكل مباشر.

 

 

ففي الـ23 من أبريل/نيسان الفائت نقلت وسائل إعلام إيطالية عن الوزيرة قولها، في حديث أمام مجلس النواب الإيطالي، إن بلادها “بدأت حواراً مع تركيا، لكنها مصممة على انسحابها من البلاد”.

وأما المناسبة الثانية فكانت وجهاً لوجه مع نظيرها التركي مولود جاوش أوغلو في مؤتمر صحافي مشترك لهما في العاصمة طرابلس في الثالث من مايو/أيار الجاري، خلال زيارة قام بها وفد تركي رفيع المستوى إليها.

 

 

فبعد إشارتها إلى رغبة بلادها في إقامة علاقات مميزة مع تركيا، دعت المنقوش الأخيرةَ “للتعاون في ما يتعلق بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ومخرجات مؤتمر برلين، بما في ذلك إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية في إطار دعم سيادة ليبيا”.

الرد على وزيرة الخارجية لم يأتِ فقط من نظيرها التركي، الذي أكد أن قوات بلاده موجودة في ليبيا بشكل قانوني ووفق اتفاقية موقعة مع حكومة الوفاق الوطني، ولكن أيضاً من أطراف ليبية وازنة استهجنت تصريحاتها.

فقد أصدر رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري بياناً أكد فيه “احترام المجلس للاتفاقية الموقعة مع تركيا”، وأنه “ليس من اختصاص حكومة الوحدة الوطنية إلغاء أي اتفاقات شرعية سابقة أو تعديلها”.

بدورها، قالت الناطقة باسم حزب العدالة والبناء سميرة العزابي إن دعوة وزيرة الخارجية “مثيرة للاستغراب”، لافتة إلى التقارير الدولية التي تتحدث عن استمرار تدفق السلاح على قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وإلى استمرار وجود مرتزقة “فاغنر” في البلاد.

كما استنكر المتحدث باسم غرفة عمليات بركان الغضب عبد المالك المدني التصريحات، مذكراً المنقوش أنه “لم تقف معنا غير تركيا، رغم الضغوط الدولية عليها” حين هجم حفتر على طرابلس بدعم من قوى إقليمية ومجموعات مرتزقة من مختلف الجنسيات.

هذا الجدل الداخلي في ليبيا دفع على ما يبدو وزارة الخارجية إلى تعديل الموقف، من خلال بيان نفى تصريحات الوزيرة من باب أن وسائل الإعلام الإيطالية لم تكن دقيقة في نقلها، وأن الوزيرة عبرت عن موقف الحكومة الثابت من “كل المرتزقة على الأراضي الليبية دون استثناء أو تحديد”.

ورغم هذا النفي، فإن تصريحات الوزيرة قبل أيام عادت لتكرار نفس الفكرة وإن بصيغة أكثر هدوءاً، ما يعني أن المطالبات ما زالت قائمة.

ويضاف إلى ذلك مطالبات عدة أطراف إقليمية لتركيا بإخراج قواتها من ليبيا، وكذلك مطالب مشابهة قدمتها مصر في المحادثات التي جرت مؤخراً في القاهرة بين وفدَيْ البلدين، وفق تقارير إخبارية.

تركيا في ليبيا ليست قوة احتلال، وعدد قواتها قليل وتغلب عليه صفة الاستشاريين، ولم تذهب إلى هناك عنوة عن أهلها وإنما بناء على اتفاق التعاون الأمني والعسكري الموقع بينها وبين حكومة الوفاق الوطني، في حينه، المعترف بها دولياً في 2019، وبالتأكيد فهي لن تبقى على الأراضي الليبية على المدى البعيد وبعد إتمام مهامها، ومن قبلها مجموعات المقاتلين السوريين الذين يشكلون عامل ضغط عليها في هذا الإطار. فما الذي يزعج أنقرة إذن من هذه التصريحات والمطالبات؟ برأيي، ثلاثة أمور:

الأول، حصر هذه الدعوات بتركيا فقط، رغم تدخل وانخراط عدد من القوى الإقليمية بشكل مباشر في القضية الليبية، وكذلك الإشارة إلى تركيا حصراً لدى الحديث عن “المرتزقة” في ليبيا، رغم العديد من التقارير الدولية التي تتحدث عن الفاغنر والجنجويد وغيرها من مجموعات المرتزقة التي تقاتل إلى جانب حفتر.

الثاني، محاولة المساواة بين القوات التركية التي أتت بشكل رسمي ومعلن ووفق اتفاقية بين البلدين وبين مجموعات من المرتزقة أو الأطراف التي تدخلت في النزاع الليبي وساهمت في تأجيجه وتعقيده، في حين كانت تركيا فاعلاً مؤسساً للاستقرار وداعماً له.

الثالث، استشعار تركيا في هذه التصريحات عدم الوفاء لدورها وما قدمته لليبيا. ذلك أن تدخل تركيا دعماً لحكومة الوفاق لم يؤد فقط إلى حماية الحكومة وكسر الحصار عن طرابلس وغيرها من الإنجازات العسكرية، لكنه أدى كذلك إلى تغيير المعادلة في ليبيا بالكلّيّة.

فقد غيّرت بعض الدول الإقليمية مواقفها من حكومة الوفاق، وتبدّل الرهان من الحلول العسكرية إلى دعم المسار السياسي، ونتج عن ذلك حوار وطني أفضى إلى استقرار نسبي شهد انتخابات المجلس الرئاسي الجديد وحكومة الوفاق كفترة انتقالية بانتظار انتخابات نهاية العام.

حسناً، هل ستؤدي هذه الدعوات من مسؤولين ليبيين أو ضغوط قوى عالمية وإقليمية إلى خروج تركيا أو إخراجها من ليبيا؟

لا، ليس ذلك مرجحاً. فمن حيث المبدأ ذهبت تركيا إلى ليبيا وفق اتفاق رسمي ومعلن مع حكومتها، ولن تخرج إلا باتفاق جديد مماثل أو إلغاء/تعديل الاتفاق الحالي، وهذا لا يتم إلا عبر حكومة شرعية تنتج عن انتخابات عامة ومعترف بها من جميع الفرقاء الليبيين.

لا تملك حكومة الوحدة الوطنية الليبية الحالية هذه الشرعية، ولا صلاحيات إلغاء أو تعديل الاتفاقات القائمة كما تنص على ذلك الفقرة العاشرة من المادة السادسة من خريطة الطريق الليبية.

أكثر من ذلك، لا تمثل هذه الدعوات والمطالبات موقفاً ليبياً موحداً حتى داخل حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما أدى إلى تراجع الوزارة عن تصريحات الوزيرة كما سبق ذكره، حيث يعزو البعض ذلك إلى انحيازات الوزيرة وعلاقاتها.

كما أنه لا يُنتظر من تركيا ترك الأراضي الليبية وسحب قواتها منها في حين أن جميع الأطراف الأخرى موجودة بأشكال مباشرة وغير مباشرة، بما في ذلك دعمها وتمويلها لمجموعات المرتزقة وكذلك استمرارها في إيصال السلاح إلى قوات حفتر. ولا يُتوقع أن تفعل ذلك قبل استقرار الأوضاع بشكل نهائي ودائم في النزاع الليبي، بحيث لا يعود ثمة حاجة إلى دورها هناك، إذا ما طلبت ليبيا منها ذلك مستقبلاً.

أخيراً، فإن جميع الأطراف، بما فيها الحكومة الليبية، تدرك أن موضوع خروج القوات الأجنبية من البلاد ليس أمراً سهلاً ولا يمكن تحقيقه بالسرعة المتخيلة، ولعل الوزيرة المنقوش نفسها قد أشارت إلى هذا المعنى حين قالت إنها تدرك أن هذه المسألة “لا يمكن حلها بين عشية وضحاها”، وإنما تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.

وعليه، اختصاراً، لا تصر أنقرة على استمرار وجودها في ليبيا رغماً عن أهلها، لكنها ترى عدم صلاحية الحكومة الحالية للمطالبة بذلك، فضلاً عن الإجحاف في التركيز عليها وحدها دون الأطراف الأخرى. بل لعلها ترى في تصريحات الوزيرة انعكاساً لمواقف أطراف منافسة لها، أو آراء شخصية لا تلزمها بالضرورة.

ولذلك سيبقى الأمر مؤجلاً بانتظار نتائج الانتخابات نهاية العام، إن أُجريت في موعدها، والحكومة التي ستنتج عنها، والتي سيكون أمامها خيارات عدة من بينها الإصرار على خروج جميع القوات الأجنبية عن بلادها، أو تخصيص تركيا بذلك، لكن أيضاً من بينها العمل على تطوير العلاقات مع أنقرة والبناء على الاتفاقات السابقة معها.

ولذلك ستكون الانتخابات الليبية القادمة في غاية الأهمية، وعاملاً محدداً جداً في المسارات المستقبلية، ليس فقط على الصعيد الليبي الداخلي، وإنما كذلك على صعيد علاقات البلاد الخارجية والتوازنات الإقليمية والدولية.

 

 

 

سعيد الحاج – TRT عربي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق