مقالات و أراء

كانت تركيا ستنهار مثلما “انهارت الدولة العثمانية”.. سيرسمون خريطة جديدة

 

لقد كان هذا هو الشعار منذ البداية: إن كل مشكلة أمنية في شمال خط حلب – الموصل هي مشكلة أمنية تخص تركيا. يجب ألا يتواجد أي تنظيم إرهابي أو دولة أجنبية في هذا الحزام الممتد من حدود إيران إلى البحر المتوسط.

أما هاتان المشكلتان فتمثلان أكبر وأخطر وأقرب تهديد بالنسبة لتركيا.

وقد كان هناك محاولة لرسم خريطة في هذا الحزام منذ اليوم الذي اندلعت فيه الحرب في سوريا، فاتخذ كل طرف موقعا يخدم مصالحه وفق شدة الحرب وحالة الدمار والخراب الذي خلفتها، لكن القضية الأساسية لم تكن أبدًا إرادة الشعب السوري وحريته.

كانت حرب إعلان أكبر جبهة مضادة لتركيا…

وإذا نظرنا للصورة الكاملة سنرى أن هذه الحرب لم تكن حربا سورية بل مخططا لرسم خريطة جديدة للمنطقة؛ إذ أشعل فتيل هذه الحرب لفتح جبهة مضادة لتركيا تمتد لمئات الكيلومترات، فكانت بمثابة الجبهة الرئيسة للحرب ضد تركيا.

بعدما نقلت أمريكا وأوروبا داعش للمنطقة وقدمتا دعما عسكريا استثنائيا لبي كا كا، كان على تركيا أن تكون على اهبة الاستعداد دومًا. فالقضية لم تكن قضية إرهاب، بل مسألة أمنية تحولت إلى معركة قوى دولية.

لم يكن الدعم الأمريكي إلى بي كا كا/ي ب ك دعما لـ”تنظيم” بل كان دعما لـ”دولة”، فكانوا يقيمون لبي كا كا مواقع ومخازن ذخيرة وجبهات بمعايير حلف الناتو في عفرين ومناطق أخرى.

بدء تنفيذ مخططات تقزيم تركيا..

لقد كانت الحرب في سوريا استمرارا لاحتلال العراق، فكان الغرب ينفذ كل خططه الجغرافية بالمنطقة كاملة من خلال خطة واحدة مبنية على “تقزيم تركيا”. لذلك كانت الحرب السورية تتحول لحرب تركية بل وحرب عالمية، حيث كانوا سيكملون هذا المخطط!

ولو كانت محاولة انقلاب 15 تموز قد نجحت لكانوا أقاموا جبهة تركيا وبدؤوا عملية تقزيمها.

وكما أن ممر الإرهاب الممتد من حدود إيران إلى البحر المتوسط ليس قضية إرهاب، فإن دور تنظيم غولن الإرهابي في 15 تموز لم يكن قاصرا على قضية تنظيم.

كانت تركيا ستنهار مثلما “انهارت الدولة العثمانية”

كانوا سيرسمون خريطة جديدة

لقد كان الغرب يعيد رسم ملامح المنطقة التي كان قد رسم ملامحها في القرن الـ20، وكان يعيد رسم كل الخرائط وفق خطط سيطرته ويطلق إلى الساحة كل التنظيمات التي استثمر بها لعشرات السنين، كما كان يرتب وفقا لذلك خطاباته الدولية وتحركاته العسكرية.

لذلك ليس هناك أي فرق بين تنظيمي غولن وبي كا كا. كما أن ممر الإرهاب ومحاولة انقلاب 15 تموز كانتا مرحلتين من الخطة ذاتها. ولقد كانت تركيا تواجه بي كا كا/ي ب ك وداعش داخليا وفي الجنوب وكذلك كانت تواجه تنظيم غولن الإرهابي الذي سعى لقلب نظام الحكم.

ولو كانت محاولة انقلاب 15 تموز قد نجحت واستطاعوا تنفيذ هذا السيناريو لكانت تركيا قد واجهت انهيارا وتفرقا مثلما “انهارت الدولة العثمانية” ولكنا قد رأينا اليوم خرائط ودولا مختلفة تماما في مثلث تركيا – العراق – سوريا.

تلك العقلية التي أنقذت تركيا

تصفير حسابات الغرب

وفي الواقع فإن تركيا والمنطقة بأكملها أنقذت في تلك الليلة التي حيل فيها بين تركيا وبين حالة من الدمار والانهيار الكامل، فالمواطنون الأتراك الذين نزلوا للشوارع في تلك الليلة قضوا على أخطر مخطط للغرب لاستهداف منطقتنا ومخططاته للقرن الـ21.

ولقد تحركت في تلك اللحظة تحديدا عقلية واستمرارية الدولة السلجوقية والعثمانية والجمهورية التركية، فهذا هو القرار الذي يمثل الميلاد الحقيقي الذي حول مجرى التاريخ ورسم ملامح المنطقة وصفر كل حسابات الغرب.

تواجه تركيا اليوم ضغوطا شديدة لإخراجها من إدلب، وهي الضغوط التي تمارسها أمريكا من أجل “المعادلة الجديدة في الشرق الأوسط” التي ظهرت عقب انسحابها من أفغانستان.

الضغط الداخلي يزيد عدد الشهداء

انتبهوا لتلك الصلة!

لا شك أن روسيا أو الدول الأخرى تتحرك وفق مصالحها، وهو أمر مفهوم، لكن الضغط الكبير قادم من داخل تركيا نفسها؛ إذ تمارس جبهة المعارضة، وعلى رأسها كمال كليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري، ضغطا كبيرا لإعادة تركيا جنوبا إلى ما كانت عليه قبل 15 تموز.

وبالتزامن مع هذه الضغوط نشهد زيادة في هجمات بي كا كا /ي ب ك وأعداد الشهداء من صفوفنا. لذلك ألفت الانتباه إلى الصلة بين الضغط الداخلي وزيادة عدد شهدائنا، فهذا يعتبر خيانة.

لو تحركت تركيا وفق هذا الضغط فلن تتمكن أبدا من السيطرة على حدودها الجنوبية والوصول إلى حالة الاستقرار الأمني التي تعيشها هذه الأيام.

لن نستطيع حماية مدننا ناهيكم عن النقطة صفر من حدودنا

ذلك أن الحزام الممتد من إيران إلى البحر المتوسط لن يشهد تهديدات قادمة فقط من التنظيمات الإرهابية بل وكذلك من الدول، وهو ما سيحرمنا الأمان في مدننا ناهيكم أصلا عن النقطة صفر من حدودنا.

نحن أمام مخطط جديد يستهدف تركيا، وهو المخطط الذي يضم المعارضة في مركزه. لذلك علينا إفشال هذا المخطط وينبغي لتركيا إتمام المهمة التي بدأتها في الحزام الممتد من إيران إلى البحر المتوسط.

كما ينبغي لتركيا ألا تدمر بيديها أخطر تدخلاتها الجيوسياسية في القرن الـ21، ولو فعلت ذلك سيصيب الضعف كل خطواتها التي أقدمت عليها في المنطقة الممتدة من ليبيا إلى القوقاز.

“طفح الكيل، سنقدم على هذه الخطوة”

لن يوقفها أي تهديد

لقد لاحظ الرئيس أردوغان هذا “التهديد” وقال عقب آخر اجتماع وزاري “لقد طفح الكيل بعد الهجوم الأخير الذي استهدف عناصر شرطتنا والهجمات التي استهدفت أراضينا. سنقدم على الخطوات اللازمة في أقرب وقت”.

وهو ما فسره كثيرون على أنه “إشارة لعملية جديدة”. هذا صحيح، لكن ليس هناك حاجة حتى لأي “إشارة”؛ إذ إن عقلية تركيا السياسية في هذا القرن ستتخذ القرار الصحيح والموقف المناسب.

ستنفذ تركيا تدخلات جديدة ولن يؤثر فيها أي “تهديدات رادعة” لأي دولة أخرى.

شمال خط حلب – الموصل مسألة داخلية

سنشهد نتيجة حتمية لانسحاب أمريكا من أفغانستان وضعف تأثيرها في الشرق الأوسط وتوجيهها لقوتها كاملة نحو منطقة المحيط الهادي. ولن تحظى أي دولة بأي مساحة في هذا الحزام من خلال التعاون مع الإرهاب لا سيما في ظل تمتع تركيا بهذه القوة.

يمثل كل تطور يشهده خط حلب – الموصل مسألة أمنية بالنسبة لتركيا، هذا واضح وصريح، فهذا الأمر يمثل مسألة أمن قومي. لذلك كنت أقول عندما بدأ ممر الإرهاب يتشكل حديثا “يجب التدخل حتى لو كان هذا يعني الانتحار”.

هناك من يحاول إعادة الأمور لما قبل 2016!

لا يمكن السماح لهذا بالحدوث!

سأواصل تكرار الأمر ذاته، يجب إنجاز هذه المهمة التي بدأناها وألا نرجع لما قبل 2016، يجب ألا تكون هناك مرحلة ما قبل 15 تموز، فهذا لن يحدث أبدا.

حتى وإن ضغطوا من الداخل ووضعوا سيناريوهات 15 تموز جديدة من أجل عام 2023…

هذا ما نعلمه. إن الغاية الوحيدة للجبهة السياسية الداخلية وتنظيمات الإرهابية ومحاولات الضغط القادمة من الغرب هي إعادة تركيا لما قبل 2016.

لا يمكن السماح لذلك أبدا بالحدوث. لذلك فإن انتخابات 2023 ليست سباقا سياسيا داخليا فقط، وسأترك لكم المجال لتقرروا ماذا تكون بالنظر إلى هذه الصورة الكبيرة.

إبراهيم قراغول – يني شفق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق