أخــبـار مـحـلـيـة

“كنا ليلتها هناك”.. محاولة الانقلاب بعيون طلاب ومقيمين أجانب في تركيا

لئن كان الكاتب الأمريكي جون ريد صدق في وصف وقائع ثورة 1917 في روسيا بأنها “10 أيام هزت العالم”، فقد كانت ليلة المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا بعد قرن من الزمان تقريباً، وبكل ما حملته من أحداث مما يصح وصفه بأنه “10 ساعات هزّت العالم”.

 

على عكس نهار 15 يوليو/تموز الذي كان روتينياً ليس فيه ما يلفت النظر، حملت الساعات الأخيرة منه مفاجأة أقضّت مضاجع مئات الملايين ليلتها، وتعلقت بـ”النجمة والهلال” لا عيون الأتراك وحدهم، بل شخصت إليهما عيون وقلوب الأجانب المقيمين في بلاد الأناضول الذين خاضوا أطول ليلة في تاريخ تركيا.

هكذا وَحَّدَنا الانقلابيون

 

 

“في هذه الليلة شعرت لأول مرة في حياتي بمعنى الانتماء”، هكذا بدأت أسيل كوجان استعادتها لذكريات تلك الليلة، متساءلة في تعجب عن كيف يزهر داخلك حب مكانٍ أنت ضيف جديد فيه بمعايير الزمن!

تضيف الخطاطة السورية في إفادتها لـTRT عربي قائلة: “كان اليوم يسير برتابته المعهودة، إلى أن سمعنا ليلاً طرقاً عنيفاً على أبواب الشقق، وصوت شاب يطلب من الجميع أن ينزلوا من البناء، ظننا في البداية أن هناك حريقاً فهبط أخواي يستطلعان ما يجري، وفتحنا نحن التلفاز لنفاجأ بالأخبار عن المحاولة الانقلابية”.

“الصدمة هي الكلمة التي تلخص ما أصابنا حينها… دون أن نعي نزل أخواي مباشرة مع الخارجين من بيوتهم وانضموا إلى جموع المتظاهرين تلبية لدعوة رئيس الوزراء حينها رجب طيب أردوغان، جلست أمي على سجادتها تدعو وتصلي، أما حالي أنا وأخواتي ففسرته دموع تتهاطل ونحن نبتهل إلى الله أن لا تختم الليلة بكابوس الانقلاب… شعرت أننا نعيش فيلماً أو قصة سريالية غريبة جداً “، هكذا تحكي أسيل بدايات تلك الليلة.

 

وتضيف: “لا تغادر مخيلتي أصوات المآذن، والتضرع الباكي لإمام المسجد القريب من بيتنا… كان يبكي ونحن ككل عائلة تركية شاركناه البكاء والدعاء كأن الفروق بيننا أجانب وأتراكاً قد زالت، وأصبحنا روحاً واحدة تدافع مع الشباب في الشوارع عن أسمى قيم العدالة والحرية”.

تختم أسيل إفادتها قائلة: “من المشاهد التي لم تفقد تأثيرها علي حتى الآن صورة شاب تركي في مظاهرة يشد بقبضته على العلم يقبله ويبكي… يبكي خوفاً على الوطن من أن يصيبه انتكاس… كل هذه العواطف الجياشة هي الشعور بالانتماء الذي حدثتك عنه أولاً، والذي لم أعهده سابقاً وأنا اللاجئة التي أخذها الترحال بين بلدان عدة وانتهى بها المطاف في إسطنبول”.

القوى السياسية يجب أن تراهن على الشعب ووعيه، لا على ما تملك من أجهزة أمنية ومؤسسات عسكرية، وقد أثبتت المحاولة الفاشلة أن الشعب التركي وقيادته كانا ملهمين في هذا المضمار

 

جمال أمير – باحث إرتري مقيم في إسطنبول

الشعور بالانتماء

لم تكن الجغرافيا يوماً حائلاً حقيقياً أمام المشاعر، وكم أثبتت الأحداث خطأ المقولة الشائعة: “البعيد عن العين بعيد عن القلب”. عام 2016 كانت مي خلف الصحفية الفلسطينية تدرس وتمارس مهنتها في إسطنبول التي غادرتها في إجازة من العمل قبل ساعات فقط من بداية الانقلاب الفاشل.

تقول مي: “فوجئت بخبر الانقلاب حال وصولي إلى البيت، لم أصدق أولاً فسارعت إلى الماسنجر لأجد مئات الرسائل خلال ساعات قليلة، فألغيت إجازتي والتحقت بالعمل مباشرة ولم أنم تلك الليلة”.

مضيفة في إفادتها لـTRT عربي: “أصابني الخوف على صديقاتي المذعورات وعلى أخي وأصدقائي في إسطنبول، واكتشفت حينها أنني لا أقلق بشأن هؤلاء فقط بل إن تركيا وشعبها كانا ضمن دائرة أحبائي… في تلك اللحظات بدأت أكتشف شيئاً جديداً أسفر عن وجهه مع الأزمة؛ الحب الجارف لبلد لا تربطك به شهادة ميلاد ولا تسلسل عائلة”.

ووفقاً للصحفية الفلسطينية، أيقظت أصوات الطائرات المحلقة فوق إسطنبول في نفوس صديقاتها، الآتيات من بلاد تشهد صراعات وحروباً، كل الذكريات الأليمة والتجارب المريرة التي حاولن كبتها وتناسيها. كانت الساعات مرعبة حتى أصيبت إحدى الفتيات بنوبة ذعر زادت صديقاتها الحائرات ماذا يفعلن إرباكاً.

هذا كان أحد الوجوه القبيحة لمحاولة الانقلاب، أما المشاهد الأخرى فهي تضيء الذاكرة بنبل التكاتف والاندفاع نحو تحمل المسؤولية الجماعية، إذ عمد كثيرون إلى بعث رسائل واتساب معلنين فتح بيوتهم للعالقين في الطرقات، تقول خلف: “كان بيتنا أحد هذه المنازل، ولم نأبه للقادمين ما جنسياتهم أو خلفياتهم، كل ما كان يهمنا هو أن يجد هؤلاء العالقون في الطرقات مكاناً يأوون إليه في تلك الساعات العصيبة”.

تختم مي شهادتها لـTRT عربي بأن هذه كانت لحظة فارقة في حياتها، وتضيف: “علمت حينها أنني لا أشعر بالغربة في إسطنبول، وهذا ما دفعني إلى التفكير وإعادة تعريف العديد من المفاهيم المرتبطة بالانتماء والوطن والمشاعر المرتبطة بذلك كله. ورغم أنني كنت بعيدةً في مكان آمن، إلا أنني قطعت إجازتي بسرعة. كنت ببساطة أود الاطمئنان على إسطنبول وأهلها. عدت إلى أسكودار ورفعنا النجمة والهلال على شرفة بيتنا بكل فخر، وما اكتشفته تلك الليلة ما يزال يتجدد قلقاً عند كل شبح خطر يستهدف تركيا سياسياً واقتصادياً؛ إنه شعور بالانتماء. إنه الحب”.

الديمقراطية هي القادرة على حماية المثل الأخلاقية للسياسة التركية التي تفردت باحتضان المظلومين والمقهورين من مناطق مختلفة في العالم

طالب سوري شهد ليلة الانقلاب

عن وعي الشعب

زاوية أخرى لتلك الأيام يرويها الإرتري جمال أمير لـTRTعربي قائلاً: “حينما وقع الحدث، كنت في البيت، فتحت التلفاز أتابع سير الأحداث قرابة ساعة ونصف، ثم نزلت إلى الشارع وحاولت الوصول إلى مطار أتاتورك القريب من البيت مرات متكررة، رغم إصرار بعض إخوتنا الأتراك على ثنيي عن النزول إلى الشارع خوفاً علينا من عواقب ليلة كانت في بدايتها، وبالفعل حين وصلنا إلى المطار أرجعنا الأصدقاء الأتراك طالبين منا التريث”.

يصف الباحث المهتم بالقرن الإفريقي شعوره في تلك الساعات بالحزن العميق والذهول من محاولة البعض الانقضاض على التجربة التركية الرائدة، التي شهدت معها البلاد طفرة في العديد من المجالات الخدمية والتنموية والتعليمية، واستطاعت ترسيخ مبادئ جديدة في سياستها الخارجية، وإرساء قيم الديمقراطية والاحتكام للصناديق وكلمة الشعب.

مضيفاً: “كان واضحاً أن هذه المحاولة الانقلابية لا تخدم البلد، ولكن تخدم أجندة خارجية تستهدف صعود تركيا وقرارها المستقل”، ولكن في المقابل كما يذكر أمير فقد تجلت إرادة الشعب التركي والمستوى الكبير من الوعي بأهمية حماية بلاده ومسارها الديمقراطي، وأن لا تعود الساعات إلى الوراء إلى عهد الانقلابات وإعدام الزعماء والمصلحين.

“بعد ذلك قضينا 15 يوماً نبيت في ساحات حماية الديمقراطية في مطار أتاتورك والإطفائية في منطقة الفاتح وفي أيوب، كنا بشوق وحماس ننتظر انتهاء ساعات العمل حتى ننطلق ونناصر الشعب التركي حمايته للديمقراطية في الميادين، والذي بادلنا حباً بحب فكان الترحيب والاحتفاء بوجودنا هناك كبيرين”، يقول أمير في إفادته لـTRT عربي.

ويستطرد أمير أنه من تجربته الشخصية كأجنبي مقيم في تركيا، فإن تلك الليلة كانت عصيبة على كثيرين خارج بلاد الأناضول، ويضبف: “حزب العدالة والتنمية كان نصيراً لقضايا الشعوب المستضعفة في فلسطين وسوريا والعراق والصومال وميانمار وتركستان الشرقية وغيرها، ومواقف الرئيس أردوغان المشرفة جعلت العالم الإسلامي يدعو أن يعين الله سبحانه وتعالى بالنصر والتسديد تركيا وقيادتها”.

ويختم أمير شهادته على تلك الليلة قائلاً: “العبرة الأهم أن الأحزاب والقوى السياسية يجب أن تراهن على الشعب ووعيه، لا على ما تملك من أجهزة أمنية ومؤسسات عسكرية، وقد أثبتت المحاولة الفاشلة أن الشعب التركي وقيادته كانا ملهمين في هذا المضمار”.

 

الحقد القادم على ظهور الدبابات

محمد شاب سوري كان يدرس ذلك العام في الثانوية ويسكن وقفاً طلابياً في إسطنبول، يقول محمد لـTRT عربي: “انكشفت لي في تلك الليلة الأقنعة، وفهمت بالتجربة الشخصية ما فشلت أعمدة الصحف في التحذير منه”.

مضيفاً: “ممّا لا أنساه أن ابن بائع الماء المقابل لسكننا أسمعني عدة مرات عبارات من قبيل لماذا أتيتم إلى بلادنا؟ متى سترحلون؟ وأشباهها، وليلة المحاولة الانقلابية وبينما الجميع يشعر بالقلق سمعت بائع الماء يهمس بفرح: من الجيد أنهم فعلوها… لقد تأخروا!”.

يسكت قليلاً ويكمل: “علمت حينها أن الابن يستقي أفكاره من والده، وفهمت ارتباط الكراهية للآخر بالعسكر والفكر الانقلابي، وأن الديمقراطية هي القادرة على حماية المثل الأخلاقية للسياسة التركية التي تفردت باحتضان المظلومين والمقهورين من مناطق مختلفة في العالم… هذا معنى لا يفارق ذهني أبداً”.

 

 

 

 

المصدر: TRT عربي – عبد القادر محمد علي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق