مقالات و أراء

كيف تركنا جيلا كاملا ضحية للجواسيس والمُبلغين؟

أدت ظواهر التجسس والتنصّت والإبلاغ، التي امتدت من نهاية الفترة العثمانية حتى العهد الجمهوري، إلى تضرر أبرز الشخصيات في المجتمع، بتُهمٍ مجحفة وغير مبررة. ونشهد اليوم حالات مشابهة في العديد من البلدان العربية والإسلامية. في هذا المقال، نتطرق إلى الآثار المدمرة للاتهامات الزائفة والخداع على المجتمع بأمثلة من فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني.

يسرد الفيلسوف رضا توفيق، في مذكراته، قصة حزينة عن شقيقه أحمد نظيف، تكشف لنا الأحداث المأساوية التي شهدتها فترة حكم السلطان عبد الحميد. عندما كان أحمد نظيف موظفا في مدينة فيريجيك، اندلعت مشاجرة عنيفة في إسطنبول بين فؤاد باشا (الملقب بالمجنون) وفهيم باشا، وهما من الشخصيات المؤثرة في القصر، بسبب قضية نسائية. فهيم باشا نقل إلى السلطان عبد الحميد اتهامات بأن فؤاد باشا يخطط لإسقاط الحكومة، ما تسبب في نفي فؤاد باشا إلى دمشق. بعد هذا الحدث، بدأ فهيم باشا في الإبلاغ عن أي شخص يزور فؤاد باشا بتهمة محاولة إسقاط الحكومة، ومن ثم أضيف اسم أحمد نظيف إلى هذه القائمة أيضا.

يتحدث توفيق عن كيفية استغلال مثل هذه الاتهامات والمؤامرات، التي تدور حول السلطان، الذي كان يعاني أصلا من الهلع، من قبل رجاله السريين ويبلغ عددهم نحو 40 ألفا، حيث كانوا ينتظرون دائما الفرصة المناسبة لتحقيق مصالحهم الشخصية عبر التجسس، ويراقبون في هذا الصدد كل الأشخاص المقربين من فؤاد باشا. أحمد نظيف أيضا، تعرض للاعتقال في منتصف الليل بسبب اتهام كاذب من أحد الجواسيس، واحتُجز في زنزانة فرقة بكر أغا وهو مكبل اليدين، وبقي هناك لمدة شهرين ونصف الشهر تقريبا دون أن يتم استجوابه. عندما علم رضا توفيق بسجن شقيقه، حاول إنقاذه، ولكن من دون جدوى. شعر بحزن عميق وغضب كبير عندما انتحر شقيقه. هذا الحدث لم يبق مأساة فردية، بل أدى أيضا إلى إلحاق أضرار بالثقة والعدل في المجتمع بشكل عام. ويكشف نظام التجسس أيضا كيف تعرض العديد من الأشخاص الأبرياء والأذكياء للظلم.

أخيرا، تقدم السفير الألماني بارون مارشال الذي كان له نفوذ في إسطنبول بشكوى ضد السلوك الفاسد لفهيم باشا إلى السلطان عبد الحميد. في ما بعد، علم السلطان عبد الحميد، أن التهمة الموجهة إلى فؤاد باشا كانت افتراء من قبل أفراد أرادوا التحكم بأصحاب المناصب، وأن العديد من الأشخاص تعرضوا للتهديد والابتزاز باستخدام اسم السلطان. ومع ذلك، لم يتمكن من معاقبة فهيم باشا بشدة، بسبب ضعفه في السنوات الأخيرة لحكمه، لكنه طلب فورا نفيه من إسطنبول ونقله إلى بورصة. وعند إعلان النظام الدستوري، قام أهالي بورصة بمهاجمته بالحجارة. رضا توفيق لا يحمّل السلطان عبد الحميد مسؤولية هذا الحادث، ولكنه يشير إلى أن الحكومة جمعت حولها أشخاصا مخادعين ومتسلطين. ويؤكد أنه من الخطيئة أن يصدق القائد افتراءات هؤلاء المخادعين الأنانيين والمتعطشين للمناصب، بدلا من التحقيق في هذه الأحداث، بالإضافة إلى ذلك، يحكي رضا توفيق في مذكراته عن حادثة التشهير التي تعرض لها، ويبين كيفية عمل الجواسيس وطريقة استهدافهم للناس.

خلاصة الكلام؛ تؤكد التأثيرات المدمرة لأنشطة التجسس والإبلاغ على المجتمع ضرورة استخلاص الدروس من التاريخ. وتمثل تجارب رضا توفيق تحذيرا مهما لحكام اليوم والمستقبل والأحزاب السياسية ومسؤولي الدولة والمثقفين. ولا شك في أن الوطنية الحقيقية ممكنة بالصدق والعدالة وليس بالحيل والمكائد.

توران قشلاقجي – القدس العربي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى