مقالات و أراء

كيف تطورت العلاقة بين النفط والدولار

هل فكرت يوماً لماذا يباع النفط بالدولار الأمريكي؟ ولماذا الدولار هو العملة المستخدمة دون العملات الدولية الأخرى؟

بدأ الامر في عام 1944عندما اجتمع ممثلون من (44دولة) في منتجع بريتون وودز بولاية نيوهامشر بالولايات المتحدة الامريكية، وأنشئ نظام للأعمال المصرفية سمي بنظام (بريتون وودز)والذي تحت هذا النظام اتفق على ان يكون الدولار الأمريكي يبقى على المستوى الدولي قابل الى التحويل الى الذهب بسعر ثابت وهو 35 دولار للأونسة الواحدة، وهكذا ربطت الدول الأخرى عملاتها بالدولار الأمريكي، وأصبح البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي هو المصرف الوحيد لجميع دول العالم، هذه الاتفاقية أعطت الولايات المتحدة ميزة ماليه بحيث الزمت جميع الدول بادخار الدولارات في مخزونها اثر مشاركتها بالتجارة الدولية، ولكن كيف ستحصل تلك الدول على الدولارات؟ وجب على تلك الدول ان يعطوا أمريكا صادراتهم او ذهبهم، وفي المقابل لم يلزم أمريكا سوى طبع تلك الدولارات.

الولايات المتحدة وعدت بعدم طبع الكثير من المال وبنفس الوقت رفضت أي تدقيق او اشراف على المطابع باعتبار البنك الفدرالي الأمريكي مؤسسة خاصة، في السنوات التي سبقت العام 1970باتت النفقات واضحة وكبيرة وضخمة جداً على إثر الحرب مع فيتنام، وان الولايات المتحدة قامت بطباعة مبالغ كبيرة من الدولارات اكثر بكثير من قيمة الذهب الذي تملكه من اجل تمويل نفقات الحرب، وفي السنوات الأخيرة من نهاية حرب فيتنام بدأت الدول الأخرى باستعادة ذهبها وهذا بالطبع أدى الى انخفاض سريع في قيمة الدولار، وتعقد الوضع اكثر عندما طلبت فرنسا سحب رصيدها من الذهب ولكن الرئيس نيكسون رفض، وفي نهاية عام 1971 تصدى البنك الفدرالي الأمريكي اصدار قرار رئاسي القاه نيكسون، حيث أبطل نظام بريتون وودز وقال فيه ( لقد كلفت أمين الخزانة باتخاذ الإجراءات الازمة لحماية الدولار من المضاربين، ووجهت بالتعليق المؤقت لقابلية تحويل الدولار الى ذهب الا في المبالغ والشروط المصممة، على ان تكون في مصلحة الاستقرار النقدي وفي مصلحة الولايات المتحدة ) .

 

من الواضح ان توقيف معاهدة بريتون وودز لم يكن مؤقتاً كما قال نيكسون بل كان توقيفاً دائماً، وهنا وقع البنك الفدرالي الأمريكي بمشكلة كبيرة بحيث لم يعد الدولار مدعوم بالذهب على المستوى الدولي وأصبح كأي عملة أخرى. في عام 1973وجِد لهذا الامر الحل وهو طلب الرئيس نيكسون من الملك فيصل بقبول الدولار ان يكون العملة الوحيدة لشراء النفط، وفي المقابل قدمت الولايات المتحدة الحماية العسكرية اللازمة لأي خطر يهدد آبار النفط السعودية، وتم العرض نفسه لأغلب الدول المنتجة للنفط ومنها دول الخليج، وفي عام 1975 وافق جميع أعضاء الدول المنتجة للنفط أوبك على بيع النفط بالدولار الأمريكي فقط، ونجحت الولايات المتحدة في هذه الصفقة التي ربطت سعر النفط بالدولار بدل الذهب، وقد اجبرت هذه الصفقة جميع دول العالم المستوردة للنفط على البدء بتكوين امدادات ثابتة من الدولار الأمريكي لشراء النفط.

ولكن كيف ستحصل تلك الدول على الدولارات؟ وللإجابة على هذا السؤال: يجب على جميع هذه الدول ان ترسل الى الولايات المتحدة بضائعها ومنتوجاتها وبالمقابل تقدم لهم أمريكا الدولارات التي لم تكلفها سوى تكلفة طباعتها، ومن هنا بدأ نظام جديد يخدم الولايات المتحدة ويبقي على هيمنتها المالية واسمه البترودولار، أي ان الدولارات تخرج الى خارج الولايات المتحدة وكل شيء تحتاجه أمريكا يأتي اليها ونتيجة لهذا اصبحت الولايات المتحدة دولة غنية جداً.                                                                    

وهنا لابد من طرح سؤال مهم وهو: بعد طبع هذه الكميات الهائلة من الدولارات لماذا لا تشعر أمريكا بآثار التضخم المالي؟ والجواب ببساطة ان دول العالم بحاجة مستمرة لكميات الدولارات لشراء النفط والمشاركة بالتجارة الدولية، ولذلك ظلت هذه الدولارات خارج امريكا.

وبعد ربط الدولار ببيع النفط تمكنت الولايات المتحدة من صرف المزيد من الأموال على جيشها، حتى أصبحت ميزانية جيشها تعادل ميزانية ثلاثين دولة متقدمة مجتمعة سوية، وأصبح جيش الولايات المتحدة لا يضاهيه أي جيش في العالم في التسليح والتقدم والعتاد.

اما بالنسبة الى الاتحاد السوفيتي السابق فلم يحظى بأي فرصة للبقاء في ظل نظام البترودولارحيث انهار عام 1991، وبانهياره أصبحت الولايات المتحد القوة العظمى بلا منازع وعدم وجود أي منافس.

وفي عام 2000 أعلن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بيع نفط العراق حصرياً باليورو بدلاً من الدولار، وكان هذا الهجوم مباشرا على الهيمنة المالية لأمريكا، وقد كان رد فعل الحكومة الامريكية هو البدء بحملة دعائية ادعت ان العراق يملك أسلحة دمار شامل ، وفي عام 2003 تم غزو العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وبعد احتلال بغداد تم تحويل بيع النفط العراقي مباشرة بالدولار الأمريكي، وفي ليبيا كان العقيد معمر القذافي يحاول أنشاء عملة ذهبية في افريقيا تدعى الدينار الذهبي، وقد نجح في تكوين كتلة من البلدان الافريقية لأنشاء الدينار الذهبي ، ولكن تم سقاط القذافي في عام 2011وقتل بمساعدة الولايات المتحدة وحلف الناتو، وقد قال انتوني وايل مؤسس جريد الجرس ( اذا كان القذافي ينوي ان يغير سعر النفط الليبي او يقبل عمله غير الدولار لبيع النفط أو يريد ان ينشأ دينار ذهبي في افريقيا، أي من هذه الخطوات لن تكون مرحب بها من القوى العظمى المسؤولة عن التحكم بالنظام المالي، وبالتالي هذه الأسباب تؤدي الى التفكير بتنحية القذافي عن السلطة) ، وفي تقرير لقناة روسيا اليوم جاء فيه ( لقد حصلت في السابق في عام 2000 عندما اعلن صدام حسين ان النفط العراقي سيباع باليورو عوضاً عن الدولار وتبعات ذلك كانت تكثيف العقوبات وفي النهاية غزو العراق).

ان الذين يحكمون الولايات المتحدة يفهمون جيداً انه حتى لو ان دولة صغيرة بدأت ببيع نفطها بعملة غير الدولار سوف تسبب الى زعزعة قوة الدولار، وفي الوقت الحالي لا يوجد ما يحافظ على قوة الدولار غير النفط، وان الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام قوتها العسكرية لسحق أي خطر على الدولار.                                                       

باختصار ان ارتباط النفط بالدولار وبقائه على أطول فترة ممكنة هو أولوية مهمة عند الولايات المتحدة، ولن تتردد في استخدام القوة المسلحة للحفاظ على هذا الامر إذا لزم الامر. اما الحديث عن الصين وروسيا، وبقائهما في هذا الوضع فله كلام آخر، وخاصة ان روسيا هي من الدول التي تصدر النفط بكثرة وأمريكا منافسة لهما في كثير من الأمور.

 

 

د. عبد السلام ياسين السعدي –  خاص تركيا الآن

 



هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق