ثقافيةمـنـوعــات

كيف تمّ تغيير الحروف في تركيا؟

استخدم الأتراك عبر تاريخهم عدّة أشكال للحروف، وأوّل شكل معروف لديهم كان يعرف بـ”كُوك تورك”. وإلى جانب ذلك استعمل الأتراك في بعض مراحل دولهم كذلك الحروف الأويغوريّة، والمانوية، والبراهميّة، وحروف التّيبت والحُروف الصّينية.  ثم لما اعتنقوا الإسلام تبنّوا بسرعة الحُروف العربية، وأصبحت هي الأنسبُ بالنّسبة إليهم لكتابة التّركية. وفي النصف الثاني من القرن التّاسع عشر ثار نقاش حول ضرورة إدخال إصلاحات على الأبجدية العربيّة المستخدمة وقتئذٍ لكي يصبح تَعليمها وتعلّمها أكثر سهولة.

 

1. النقاش بشأن الحروف في العهد العثماني

بدأ النّقاش بشأن المشاكل المتعلّقة بالحروف الهجائيّة في العهد العُثماني مع بداية عام 1860م.  والسّبب في ذلك هو دخول المطابع الحديثة حيز الاستعمال في الدّولة لأوّل مرة، وخاض المثقّفون في مناقشة مشاكل الدّولة عبر هذه الوسيلة الجديدة. ففي هذه الفترة بدأت الطّبقة المثقفة تناقش قضايا ومسائل تتعلّق بالقراءة والكتابة واللّغة والتّعليم والثقافة.

 

وتركّزت النّقاشات في هذه المرحلة على تحسين أشكال الحُروف العربيّة الموجودة أكثر من مناقشة إيجاد حروف أخرى بديلة.  وأوّل من خاض في هذا الموضوع كان منيف باشا وذلك في عام 1862م، ففي أحد المؤتمرات أورد منيف باشا عدة ملاحظات تتعلق بأسباب صعوبة الكتابة بالحروف العربيّة، وضرورة البحث عن حلول لجعل التعليم أكثر يسرًا، من ذلك:

 

  • أن الكلمة يمكن أن تُقرأ بطرق مختلفة بسبب عدم وجود الحركات.
  • أنه لا يمكن التفريق بين بعض الكلمات والأسماء بعضها من بعض بسبب عدم معرفة معانيها.
  • أنه لا يمكن التّفريق بين الأسماء الأعلام والكلام الآخر بسبب عدم وجود الحروف الكبيرة بخلاف اللّغات اللاّتينية.
  • أنّه يمكن للأوروبي أن يتعلم القراءة والكتابة في عمر السادسة أو السابعة بكل سهولة لأن مثل هذه الصعوبات لا تواجهه بينما يجد العثماني صعوبة في ذلك.
  • أنّ المواطن العثماني يعاني من صعوبات كبيرة في تعلم القراءة والكتابة بسبب صعوبة الكتابة.
  • أن الشّعوب الأخرى لا تحتاج في عملية طباعة الكتب إلاّ إلى نحو 30 إلى 40 علامة بينما العثمانيّ يحتاج إلى مئات الإشارات، وهذا ما يجعل الأمر معقّدًا جدّا.

بعد هذه الانتقادات قدم منيف باشا مقترحًا لحلّ الإشكاليّة وتيسير عملية التعلم على النّاشئة، ووفق رأيه لكي تقرأ الأبجدية بطريقة أيسر ينبغي وضع إشارات وحركات على الحروف، ويتعين كذلك ابتداع حروف صوتيّة جديدة، كما يتعيّن كتابة الحروف منفصلةً.

وتواصلت هذه النّقاشات التي بدأها منيف باشا إلى حدود عام 1876م. وقد رأى كثير من المثقفين أن تغيير الحروف أمر عسير، وتحسين هذه الحروف ممكن ومعقول. بيد أن هذه النقاشات تراجعت وخفت صوتها في عهد السلطان عبد الحميد الثاني بسبب التّضييق الحاصل من قِبل الدّولة. ثم طفت هذه المسألة مرة أخرى على الساحة بعد إعلان المشروطيّة الثانية. وفي هذه الفترة شكّلت نظارة (وزارة) المعارف لجانًا تكون مهمّتها تعديل قواعد الحروف والكتابة وتحسينها. وهذا يعني أن الدولة العثمانية نفسها أدركت أن ثمة إشكالاً في الأبجدية، وبدأت رسميّا في معالجة هذا الإشكال.

على إثر إعلان المشروطية الثانية كان هناك رأيان في موضوع مناقشة الحروف، فثمة من يدافع عن فكرة إصلاح هذه الحروف العربية، وثمة من يرى أنه لابّد من اعتماد الأبجدية اللاّتينية. ومن بين المدافعين عن هذه الفكرة؛  عبد الله جودت، قلج زاده حقي، وحسين جاهد يالتشين.

لقد كانت الأسباب التي دعت المعارضين لفكرة اعتماد الحُروف اللاّتينية شبيهة بما هو موجود اليوم من مبررات، فالحروف العربية في نظرهم هي الحروف التي كُتب بها القرآن الكريم، وتغيير الحروف العربية سوف يحرمنا من الاطلاع على مخزون التراث القديم، ثم إنّ هذا التحوّل سوف يتسبب في إبعاد الناس عن الإسلام. أمّا الذين يتبنّون فكرة استخدام الحروف اللاّتينية فينبّهون إلى عجز الأبجديّة العربيّة ويعترضون على أية قدسيّة للغة العربيّة. وقد تسرب هذا النقاش بين الطرفين إلى الصّحافة وكُتبت حول ذلك مئات المقالات.

2. النقاش حول الحروف في عهد الجمهورية (1923-1928)

يمكن اعتبار الفترة الممتدة حتى عام 1928 فترة التحضير لثورة الحروف، وفي عام 1922م طرح حسين جاهد يالتشين السؤال التالي على أتاتورك: “لماذا لا نعتمد الحروف اللاّتينية”؟ فأجابه أتاتورك بأن الوقت المناسب لم يحن بعدُ، ذلك أنه من أجل تغيير الحروف لابدّ من إجراء إصلاحات أخرى كثيرة، وعند إجراء هذه الإصلاحات سوف يتقبّل النّاس ثورة الحروف بطريقة أفضل، وسوف يبدو الأمر معقولاً أكثر.

وقد قُدّم مقترح بهذا الشّأن من قبل نظمي بك في مؤتمر علميّ عقد في إزمير، بيد أن المقترح رفضه رئيس المؤتمر آنذاك ناظم قره بكير.  وتواصل النقاش بشأن الحروف الأبجدية في هذه السنوات، ومن بين المثقفين الذين دافعوا عن ضرورة استمرار الحروف الموجودة آنذاك ورفضوا إدخال أي تغيير عليها: زكي وليدي طوغان، فؤاد كوبرولي، وخالد ضياء.

وقبل تنفيذ ثورة الحُروف أو ما عُرف بـ”الانقلاب الحرفي” كان من أهم الأحداث عقد مؤتمر باكُو الدّولي للغة التّركية عام 1926م. وعقب هذا المؤتمر قرر أتراك أذربيجان اعتماد الحرف اللاّتيني.

3. “ثورة الحروف” تتحقّق     

في البداية وبتاريخ 20 مايو سنة 1928م صدر قرار بتغيير الأرقام التي كانت معتمدة في الكتابة العثمانية بالأرقام اللاّتينية، وبتاريخ 23 مايو سنة 1928 م تم إحداث “هيئة اللّغة التّركية”.  وقد تكفّلت هذه الهيئة بإعداد الأبجدية الجديدة، ووضع خطط التّعليم.  ومن بين أهم أعضاء هذه الهيئة؛ فالح رفقي أتاي، يعقوب قدري قره عثمان أوغلى، و روشن أشرف.  ووفق التّقرير الذي أعدته هذه الهيئة فإن تغيير الحروف عملية إصلاحية سوف تستغرق ما بين 5 و 10 سنوات.  بيد أن أتاتورك خفض هذه المدة إلى 3 أشهر فقط، وطلب من الهيئة أن تنجز هذه المهمة في أقصر وقت ممكن.

وبتاريخ 11 آب/ أغسطس سنة 1928م تم الشروع بتقديم أوّل درس في تعليم الأبجدية الجديدة في قصر دولمه باهتشه، وكانت البداية مع نواب مجلس الشّعب وكبار موظّفي الدّولة.

واعتبارًا من شهر أيلول/ سبتمبر اُفتتحت الدّروس، ونظمت المؤتمرات، وشُرع في نشر الأبجدية الجديدة في الصّحف. وإلى جانب ذلك انطلق مصطفى كمال أتاتورك في حملة زيارات واسعة شملت مناطق كثيرة من البلاد، وكلّ منطقة يزورُها يقدّم بنفسه دروسًا في تعليم الأبجدية الجديدة ويَعرض ذلك أمام النّاس على الألواح.  وبتاريخ 1 نوفمبر سنة 1928 م صدر قرار رسمي بتبني الحُروف التركيّة الجديدة وتطبيقها، ويوم 3 من الشهر نفسه دخل حيز التّنفيذ. وهذه بعض مواد هذا القانون:

  • المادة رقم 1: لقد تم تبني الحروف اللاتينية بدلاً من الحُروف العربية التي كانت تكتب بها اللّغة التركيّة.
  • المادة رقم 2:   اعتبارًا من نشر هذا القانون سوف يكون لزاما على جميع دوائر  الدّولة ومؤسساتها، وجميع الشركات وجميع المؤسسات الخاصة والتّابعة للدولة قبول الأبجدية الجديدة وتطبيقها.
  • المادة رقم 3:  بتاريخ الأوّل من يناير 1929م.ينبغي أن تكون الحُروف التركيّة قد دخلت حيّز التطبيق في المعاملات بجميع دوائر الدّولة.
  • المادة رقم 5: يتعيّن اعتبارًا من 2 يناير 1929 طبع الكُتب بالحروف التركيّة.
  • المادّة رقم 9: ينبغي استخدام الحروف التّركية في التّعليم في جميع المدارس، ويُمنع التّدريس من الكتب المطبوعة بالحروف القديمة.

ودخل هذا القانون حيز التّنفيذ وأدخلت بعض التّعديلات على الصّوتيّات التركيّة، وأضيفت الحروف التّالية:    Ç-Ş-Ğ . وفي هذه الأثناء جرت حملةٌ واسعة في كامل مناطق البلاد. واعتبارًا من تاريخ 1 يناير سنة 1929م نُظّمت دروس في القراءة والكتابة من قبل المدارس التركيّة. وقد شارك في هذه الدّروس شباب وكهول تتراوح أعمارهم ما بين 16 و 45 سنة، وما بين عامي 1928 و 1935 تم تعليم نحو 2.5 مليون شخص القراءة والكتابة على المنهج الجديد.

د. مصطفى الستيتي – ترك برس

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق