مقالات و أراء

لماذا استبعد العثمانيون عبارة «التُرك»؟

ينحدر العثمانيون من قبيلة الأوغوز- قايي التركية. وكان عثمان غازي، نجل أرطغرل غازي، ينتمي لأول قبيلة تركمانية استقرت في منطقة سوغوت في الأناضول. وهنا وضعت الأسس الأولى للدولة العثمانية. استمدت الدولة اسمها من عثمان غازي، وأصبح سكانها يسمون بالعثمانيين.

 

تأسست الدولة العثمانية عام 1299 في سوغوت وتفككت عام 1922.. وإبان فترة استقرار العثمانيين في الأناضول، تعرضت منطقة بلاد الشام لأضرار كبيرة وتشتت بسبب هجمات المغول. من ناحية أخرى، كانت الحملات الصليبية متواصلة على أجزاء كثيرة من الأناضول، فضلا عن استمرار الهجمات البيزنطية على أراضي المسلمين، في مثل هذه الفترة الصعبة أسس عثمان غازي الدولة العثمانية في قلب الأناضول.

سوف نتناول في هذه المقالة، سبب امتناع العثمانيين عن استخدام اسم «التُرك»، فعندما تأسست الدولة العثمانية، ظهر صنفان من الأتراك هما؛ عُثمانيو القصْر والأتراك. لا يمكن إنكار حقيقة أن عثمانيي القصر، أي الطبقة الحاكمة، الذين كانوا يتمتعون بالعزم والعقيدة لإنشاء إمبراطورية دائمة، شكلوا القوة الدافعة حتى نهاية القرن التاسع عشر.

 

 

لقد كانوا منذ البداية عبارة عن طبقة مختلطة لكنها صاحبة عزيمة تدرك ما تفعله، واستمرت هيمنتها أكثر كلما حافظت على هذه العزيمة والوعي وحققت التوازن على صعيد الدولة والمجتمع في المنطقة التي حكمتها، كانت الفكرة الأساسية للعثمانيين هي عدم بناء الدولة على أساس عنصري أو عرقي، كانوا يعتقدون أن العرق ليس له أي علاقة بالدولة.

وكانت الدولة عبارة عن بنية جغرافية تتكون من أشخاص من أصول وثقافات مختلفة: أي أن الرابط المشترك يمكن أن يكون سياسيا فقط، لقد تبنوا الهوية الدينية كوسيلة مساعدة في تصنيف المجموعات. وتم إقصاء حتى اسم العرق، بذلك تركوا اسم «التُرك» الذي هو اسم عرقهم واستبدلوه باسم العثماني، وكان هذا اسما سياسيا، كما حاولوا الابتعاد عن تقاليد وثقافة العرق.

القبائل التركية التي رافقتهم من آسيا الوسطى أو التي استقرت في الأناضول قبلهم، كانت مجرد جزء من الأداة الإنسانية للدولة، وكان العنصر التركي جزءا بسيطا من الأدوات الإنسانية لدى الدولة، فالتركي العادي لا يختلف عن اليوناني العادي، إلى جانب ذلك، تبنى عُثمانيو القصر موقفا مهينا إلى حد ما تجاه «الأتراك»، خاصة أتراك الأناضول القرويين، وأطلقوا أوصافا كثيرة عليهم مثل «التركي الحمار» و»التركي الفظ». وكانت عبارة «التُرك» تساوي القروي في نظر عثمانيي القصر.

وكان زواج عثمانيي القصر مع الأعراق الأخرى يتحقق أو يُرفض على أسس خاصة، وكان هناك هدف وراء تبنيهم للحضارة والثقافة في المنطقة التي استقروا فيها، وقد فعلوا ذلك عمدا. وكانت حضارة العثمانيين تشبه حضارة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وعلى الرغم من أن الإسلام كان هو العنصر المهيمن، إلا أنهم قلدوا نظام الإمبراطورية الرومانية الشرقية في الدولة، ثم شكلوا نظاما جديدا، بعد إضافة عناصر خاصة بهم.. وهكذا خلقوا بيئة سلام لجميع الأعراق والأديان في الأراضي التي حكموها.

 

في البداية، استخدم العثمانيون الفارسية لغة رسمية في القصر، ثم أسسوا اللغة العثمانية، وكانت اللغة التركية المكتوبة لدى العثمانيين، المسماة بالتركية العثمانية، عبارة عن تنظيم مصطنع أكثر من كونه تطورا تلقائيا. العربية والفارسية كانتا تهيمنان على اللغة العثمانية، وسرت قواعدهما عليها أيضا إلى جانب التركية. وتلقى عثمانيو القصر أيضا تعليما خاصا، وكانت لديهم معرفة بالعلوم الشرقية والغربية، وكانوا يتقنون ما لا يقل عن 3 أو 4 لغات.

من ناحية أخرى، على الرغم من أن عثمانيي القصر بدأوا العمل بتقليد العرب والبيزنطيين في الهندسة المعمارية، إلا أنهم ابتكروا مفهوما فريدا من نوعه في الخط والبساطة بحيث سيكون دائما دليلا على العبقرية العثمانية في فنون المنطقة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الموسيقى، فعلى الرغم من نسخهم الكثير من الأصول الموسيقية من العرب والبيزنطيين، إلا أن العثمانيين أضافوا أيضا بعض أصول الموسيقى التي كانت تخصهم.

خلاصة الكلام، مع حل الإمبراطورية العثمانية بشكل رسمي في عام 1922، اختفت معها أيضا طبقة عثمانيي القصر. وفي القرن الثامن عشر، توغل التيار القومي الذي أثر في العالم أجمع، داخل الأراضي العثمانية بشكل تدريجي. وأصبحت جميع الأعراق والأديان والمذاهب أعداء لبعضهم بعضا، بعد أن كانت تعيش في سلام وهدوء في الأراضي العثمانية طيلة 600 عام، على خلفية انتشار التيارات القومية والاستعمار.

عندما نعود إلى الماضي، نرى أن الصراع بين اليمين واليسار في جميع أنحاء العالم، خلال فترة الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية، شكل وضعا مشينا للغاية، وكذلك التيارات القومية والكيانات المؤيدة للاستعمار، التي تم حشدها في الفترة الأخيرة من الإمبراطورية العثمانية، ستبقى عارا على صفحات التاريخ. إن مهمة المؤرخين ليست إحضار مشاكل فترة الانقطاعات الكبير إلى يومنا الحاضر، بل إيجاد حلول من شأنها إبقاء أحداث تلك الفترة محصورة في ذلك اليوم وإعادة الاندماج من جديد.

 

 

توران قشلاقجي – ترك برس

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق