ثقافيةروائع التاريخ العثماني

ما حقيقة أن العثمانيون ارتكبوا مذبحة في بغداد لكن دون قتال ! ؟

– زعم البعض أن العثمانيين في زمن سليمان القانوني قد احتلوا بغداد خلال صراعهم مع الصفويين وقتلوا عشرات الآلاف من العراقيين، وسلبوا ثروات بغداد ونقلوها إلى بلادهم، إلا أن هذه الفرية لم تذكرها أي مصادر تاريخية

– أهل السنّة في بغداد استنجدوا بالسلطان العثماني سليمان القانوني فكيف يتفق أنه هبّ لنجدتهم من حكم الصفويين المذهبي، ثم يقوم بقتل أهل المدينة؟!– العثمانيون دخلوا بغداد دون قتال بعد أن فرت الحامية الصفوية خوفا من العثمانيين، فكيف يقال إن جيوش ءالسلطان سليمان قد نفذت مجزرة بحق العراقيين؟

– على الرغم من أن العثمانيين دخلوا بغداد لإنقاذ السنّة من خطر الصفويين الذين فرضوا المذهب الشيعي، إلا أنهم لم يتعرضوا لشيعة بغداد، ولم ينكلوا بهم، بل على العكس من ذلك، فقد أحسنوا إليهم وأكرموهم

juri shampoo

 

يقول المؤرخ التركي يلماز أوزتونا إن التاريخ العثماني الذي تعرفه الأقطار العربية “حررته وصورته أقلام أجنبية موتورة، ومن ثم فإن هذا التاريخ يأتي مزيفا متحيزًا ومجرد من كثير من عناصر العظمة والتميز”.

 

كثير من العرب قد اعتمدوا في حكمهم على التاريخ العثماني، على ما دوّنه أعداء الدولة العثمانية ممن اختطفتهم الحضارة الغربية وسلموا بكل مضامينها، وآخرين ممن حركتهم النعرات القومية وتبنوا الرواية الغربية عن التاريخ العثماني، دون تحمل عناء البحث والتدقيق في المراجع الأخرى، ولم ينظروا فيما كتبه الأتراك أنفسهم عن تاريخهم والمقارنة بين ما كتبه الصديق والعدو.

 

ومن التهم التي لاقت رواجا عربيا ضد الدولة العثمانية، ما زعمه البعض من أن العثمانيين في زمن السلطان سليمان القانوني قد احتلوا بغداد خلال صراعهم مع الصفويين، وقتلوا عشرات الآلاف من العراقيين، وسلبوا ثروات بغداد ونقلوها إلى بلادهم.

1- بداية لابد من التنبيه إلى قاعدة عامة في إصدار الأحكام سواء على الأشخاص أو الكيانات أو الدول والحضارات، وهو ضرورة الاستناد في كل دعوى على دليل وبرهان، وبالنظر إلى هذه التهمة، فإنه ما مِن دليل ينهض لإثباتها، ويقول الدكتور علي الصلابي الباحث في التاريخ الإسلامي عن هذا الادّعاء: “يفتقر إلى الدليل أو المصدر التاريخي، وذلك لأنه في حقيقة الأمر لم يجدوا مصدرا يدعم قولهم والأباطيل التي ساقوها، فليس هناك مصدر تاريخي يذكر هذه الرواية التي تم اختلاقها”.

2- لقد كان دخول السلطان العثماني سليمان القانوني بقواته إلى بغداد عام 1534م، حلقة من حلقات الصراع العثماني الصفوي والذي بدأ تعاظمه في عهد سليم الأول، وكانت أهم وقائعه موقعة جالديران 1514م التي انتصر فيها العثمانيون على الصفويين الذين أقاموا دولتهم على أساس المذهب الشيعي، وعمدوا إلى فرضه بالقوة في المنطقة، ولئن لم يتعقبهم العثمانيون في إيران، إلا أنهم حاصروهم لمنع تمدد نفوذهم، وظل الشمال العراقي خاضعا للعثمانيين وبقي الجزء الأوسط والجنوبي في يد الإيرانيين، وكان والي بغداد يتم تعيينه من قبل الدولة الإيرانية الصفوية.

3- كان من أسباب معاودة العثمانيين في عهد سليمان القانوني الهجوم على الصفويين والزحف إلى بغداد وتخليصها من أيديهم، أن أهل السنة في بغداد قد استنجدوا بالسلطان العثماني، وهذا ما قرره رائد التاريخ الاجتماعي المؤرخ المصري د. محمد أنيس في كتابه “الدولة العثمانية والشرق العربي”، حيث قال: “السنّة في العراق كانوا يرسلون إلى السلطان سليمان يتضرعون لإنقاذهم من الحكم الشيعي”.

4- كما أن حاكم بغداد المسمى “ذو الفقار” قد أرسل قبلها إلى السلطان العثماني يرجوه في تبعيته ومنحه الحماية من الشاه الصفوي “طهما سب”، والذي نجح بعد ذلك عن طريق الخيانة في الاستيلاء على بغداد، وسلمها إلى محمد خان يحكمها باسم الشاه الإيراني.

فالسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا السياق: كيف يتفق أن السلطان العثماني سليمان القانوني هبّ لنجدة أهل السنة في بغداد من حكم الصفويين المذهبي، ثم يقوم بقتل أهلها؟!.

5- ثم نأتي إلى الجزء الأهم في الرد على هذه التهمة، وهو بيان كيف دخلت الجيوش العثمانية بغداد في ذلك الوقت؟

ولأننا نحرص قدر المستطاع على الاعتماد على كتب لمؤرخين عرب، فإننا نورد في هذا المقام ما سطره المؤرخ والحقوقي والسياسي المصري وأحد كبار الزعماء الوطنيين في بلاده محمد فريد بك، في كتابه الشهير “تاريخ الدولة العلية العثمانية” والذي يعد مرجعًا أساسيًا في التاريخ العثماني، فيقول عن دخول العثمانيين بغداد ما نصه:

“وقصد السُّلْطَان مَدِينَة بَغْدَاد لفتحها، فَلَمَّا اقْترب مِنْهَا تقدم ابراهيم باشا الصَّدْر الأعظم وسر عَسْكَر الجيوش العثمانية لاحتلالها قبل قدوم السُّلْطَان، فَدَخلَهَا فِي يَوْم 24 جُمَادَى الْآخِرَة سنة 941هـ، 31 ديسمبر سنة 1534م، ووجدها خاوية من الْجنُود، إذ تَركهَا حاكمها بِكُل جُنُوده هربا من الْوُقُوع فِي قَبْضَة الْجنُود العثمانيين”.

إذن، فالعثمانيون دخلوا بغداد دون قتال بعد أن فرت الحامية الصفوية خوفا من العثمانيين، فكيف يقال إن جيوش السلطان سليمان قد نفذت مجزرة بحق العراقيين؟.

6- وثمة أمر هام يجدر أن نضيفه في هذا السياق، يُعضد من فكرة التسامح الذي تحلى به السلطان سليمان وجنوده بعد دخول بغداد، وينفي بالتالي وقوع أي مجزرة بحق أهلها، وهو ذلك التوازن في التعامل مع السنة والشيعة على السواء، فعلى الرغم من أنه دخل لإنقاذ السنة من خطر الصفويين الذين فرضوا المذهب الشيعي، إلا أنه لم يتعرض لشيعة بغداد، ولم ينكّل بهم، بل على العكس من ذلك، فقد أحسن إليهم وأكرمهم.

فكما أنه قام بإعادة بناء ضريح الإمام أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب الفقهي المعروف والذي هدمه الصفويون ودنّسوا رفاته، لم يفته كذلك أن يزور قبور “أئمة الشيعة”، وقام ببناء سد لمدينة كربلاء(ذات الغالبية الشيعية) لوقايتها من الفيضان، ووسع الترعة المعروفة بالحسينية لكي تأتي بالماء باستمرار، فزرعت المنطقة حول العتبات المقدسة للشيعة بالبساتين وحقول القمح.

سلطان عثماني، استنجد به سُنّة بغداد لتخليصهم من الحكم الصفوي الطائفي، ودخلها دون قتال، وأحسن إلى سُنّتها وشيعتها، فكيف يقال كذباً إنه ارتكب مذبحة بأهل المدينة؟.

 

 

إحسان الفقيه/ الأناضول

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق