اقـتصــاديـة

ما مصير الاقتصاد التركي في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا؟

تباينت المواقف الرسمية لدول العالم تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، ووقفت معظم الدول الغربية ضد موسكو، في حين وقفت بعض الدول كبيلاروسيا وكوريا الشمالية مع روسيا، التي ادعت أنها تحاول الحفاظ على أمن حدودها فقط.

 

 

أما تركيا، فقد اعتمدت على الخطاب الإعلامي المتوازن، وفضلت الظهور بموقف الحياد في الصراع، في ظل علاقاتها الجيدة مع البلدين.

ومنذ اليوم الأول للغزو، حاولت تركيا بذل الجهود لإيقاف الحرب، وتقديم وساطة ومبادرة لإحلال السلام بين موسكو وكييف، إلا أن مساعي أنقرة لم تفلح حتى الآن.

 

 

وكان الدافع الأساسي لتركيا من ذلك، هو تجنب خسائر فادحة محتملة جراء الأزمة التي أثرت منذ اليوم بشكل ملحوظ على الاقتصاد التركي، بالإضافة إلى سعي أنقرة بالحصول على دور إقليمي ودولي وتقديم مبادرات لإحلال السلام.

وعقب بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، تأثرت الاقتصادات العالمية بشكل عام، وسادت حالة من القلق أوساط المجتمع الدولي، جراء التقلبات الحادة التي حدثت في الأسواق العالمية، وخاصة بعد وصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية.

وتتخوف تركيا حالها كحال العديد من دول العالم، من التداعيات الاقتصادية للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتأثيرها على اقتصادها المحلي، فهي تعد واحدة من الدول التي تربطها صلات تجارية وثيقة للغاية مع موسكو وكييف، على حدٍّ سواء، مما يعني أنها مهددة بفقدان بعض السلع الأساسية في أسواقها مع استمرار العملية التي بدأت قبل أسبوعين.

وبعد أيام من الحرب، تأثر الاقتصاد في تركيا بشكل كبير، وبدأت الليرة التركية تهبط بشكل ملحوظ، في ظل توقعات عدد من الخبراء بأن استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا، سيهوي بالليرة وبالاقتصاد التركي بشكل أكبر.

 

أراء الخبراء

ويرى عدد من الخبراء بأن الاقتصاد التركي، ستتضاعف أزماته جراء الحرب في أوكرانيا، وسيواجه موجة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار، نتيجة اعتماد أنقرة على روسيا وأوكرانيا في استيراد المنتجات الزراعية.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي، فراس شعبو، في تصريح لـ”عربي21″، إن حال الاقتصاد التركي هو حال العديد من الاقتصادات العالمية التي تأثرت بالحرب الأوكرانية، مؤكدا أن التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية على أوكرانيا سوف تختلف من دولة إلى أخرى.

وأشار إلى أن الاقتصاد التركي تأثر بشكل كبير منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، منوها إلى أن أسعار الوقود التي تشهد تقلبات حادة تعكس ذلك بشكل واضح.

وقال: “تركيا تعيش بالأساس أزمة اقتصادية داخلية، وحالة من عدم استقرار بأسعار الصرف، لذلك فإن تأثرها بالغزو الروسي على أوكرانيا سيكون أشد وأقوى من غيرها”.

وبين أن السياحة التركية التي تعد أحد الأجزاء الهامة في الاقتصاد التركي، ستتأثر بشكل كبير في حال استمرت الحرب على أوكرانيا، كونها تعتمد بشكل كبير على السياح الروس والأوكران، مضيفا أن العقوبات على روسيا أيضا ستلقي بأثقالها على الاقتصاد التركي.

وتوقع فراس شعبو أن تراجع معدلات السياحة الوافدة لأراضي تركيا من روسيا وأوكرانيا، واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة، سيشكّل خطرا كبيرا على الاستقرار وسيلقي بالمزيد من المتاعب على الاقتصاد التركي.

ولفت إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، سينعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج، وبالتالي على أسعار المنتجات، منوها إلى أن هذا الأمر خطير للغاية؛ كونه سيؤثر على القدرة الشرائية للشعب التركي.

وفي ما يتعلق بالخطوات التي يجب على الحكومة التركية القيام بها، أفاد الخبير الاقتصادي، بأنه يجب على المسؤولين الأتراك التحرك بشكل فوري وإنشاء خطط سريعة لإنقاذ الوضع المتدهور.

وأوضح أن بعض الإصلاحات التي قد تجريها الحكومة التركية كالتسهيلات الائتمانية والتسهيلات الضريبية وإعفاء التجار والصناعيين من بعض الضرائب قد يساهم في إنعاش الاقتصاد التركي، الذي يعاني من مشاكل قديمة.

وتوقع شعبو بأن تكون الأيام القادمة سيئة للغاية على الاقتصاد التركي، منوها إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط والطاقة، سيعني ارتفاع تكاليف الإنتاج، وبالتالي ازدياد التضخم في الأسعار بشكل كبير.

وفي نهاية حديثه، نصح شعبو المستثمرين في تركيا، بالهدوء والتروي والحرص قدر الإمكان على اتباع أساليب تخفف من الخسارات المتوقعة في ظل التقلبات الحادة للأسواق، كتحديد الأسعار على أساس الدولار.

 

 

35 مليار دولار

وفي سياق متصل، أوضحت الخبيرة الاقتصادية في جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك “توسياد”، “جيزام أوزوتوك”، بحسب مانقل موقع “t24” التركي، أن التوتر الحاصل جراء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا سيكلف تركيا، في المرحلة الأولى فقط، ما يقرب من 30 إلى 35 مليار دولار.

وأشارت إلى أن تركيا، أحد أهم وأكبر الدول المستوردة للنفط، تأثرت بالتقلبات الحادة التي حصلت بالأسواق العالمية بشكل كبير، مشيرة إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار الطاقة والنفط تعني زيادة 4 – 5 مليارات دولار في التكلفة على تركيا.

ونوهت إلى أن حوالي ربع السياح القادمين إلى تركيا هم من الروس، والأوكرانيين، مضيفة: “الدخل السياحي الذي يدرّونه يعادل 15-20 في المئة من إجمالي الدخل السياحي، وفي حال توقعنا دخلا سياحيا يقارب ال 35 مليار دولار في عام 2022، فإن 5 مليارات دولار من هذا الرقم في خطر بسبب الحرب الروسية الأوكرانية”.

وحول أداة الإيداع المحمية بالعملة، التي تم اعتمادها من قبل البنوك التركية منذ 20 كانون الأول/ ديسمبر، قالت أوزوتوك إن تسارع التوترات في المنطقة، والذي يؤثر بشكل مباشر على أسعار صرف الليرة التركية مقابل العملة الأجنبية لاسيما الدولار، سيؤدي إلى زيادة المتاعب على الخزانة التركية، منوهة إلى أن البنك المركزي التركي سيبدأ اعتبارا من آذار، مع انتهاء آجل استحقاق الودائع المحمية بالعملة، بدفع فرق سعر الصرف تدريجيا.

وأضافت: “في حال بقي سعر الدولار عند مستوى 15 ليرة، فستكون الكلفة الإضافية للخزانة نحو 50 مليار ليرة تركية”.

بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي التركي الدكتور محمد كوجاك، في مقال له على وكالة “الأناضول” التركية، بأن غزو روسيا لأوكرانيا من الممكن أن يقدم مساهمة إيجابية في الاقتصاد الجغرافي لتركيا.

وأشار إلى أن تصعيد روسيا لعدوانها على أوكرانيا، سيجبر الدول الأوروبية، التي تعتمد على الغاز الطبيعي الروسي بنسبة كبيرة، على التحول إلى مصادر الطاقة البديلة في الفترة المقبلة.

وقال: “في هذه الحالة ستعمل أوروبا على واردات الطاقة من الخارج، وبالتالي زيادة الخطوط التي تنقل الغاز الأذري والإيراني إلى أوروبا عبر تركيا”.

وأضاف: “يمكن لمشاريع مثل خط تاناب، الذي تم بناؤها فوق مشروع ممر الغاز الجنوبي ويعمل حاليا، أن يقدم مساهمات جادة للغاية في الأهمية الجيوسياسية لتركيا ودخلها الاقتصادي”.

وفي الرابع والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، أطلق الجيش الروسي، عملية عسكرية في أوكرانيا، تبعتها ردود فعل دولية غاضبة وفرض عقوبات اقتصادية ومالية “مشددة” على موسكو.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق