اقـتصــاديـةمقالات و أراء

هل تعافت الليرة التركية بعد مرض وزير ماليتها؟!

 بيرات ألبيرق من فريق الرئيس إلى حضن المعارضة

الليرة التركية من الربيع الاقتصادي إلى خريفه

 

بعد  الأزمة الاقتصادية التي عاشها العالم في سبتمبر 2008 ، والتي اعتبرت الأسوأ من نوعها منذ زمن الأزمة الكبرى في 1929، وفي ظل انهيار الاقتصاديات العالمية والتي بدأت من أمريكا وتهاوت كما قطع الدومينو ما أسفر عن إفلاس 8400 بنك حول العالم تقريبا لارتباط اقتصاد بلادها المباشر بالاقتصاد الأمريكي، لم يجد العالم المرهق والمذعور جراء الكوارث التي شهدها على إثر الانهيار الاقتصادي الكبير الذي شهده العالم سوى السوق التركي كملاذ آمن للاستثمار فيه، فيما سمي وقتها بالأموال الساخنة، وهو ما أنقذ معه الاقتصاد التركي، ومع الضمانات والتسهيلات التي قدمتها الحكومة التركية في حينها بدأت شيئا فشيئا تستقر هذه الأموال، وإن ظلت ساخنة تتداول في الاستثمارات قصيرة الآجل، بعيدا عن الاستثمارات المستقرة وطويلة الآجل كالاستثمار في الصناعات الثقيلة وغيرها، وظل الاستثمار في السندات والأسهم أحد أهم الروافد المهمة للاقتصاد التركي، مع ذلك كانت أحد الأسهم التي وجهت إلى قلبه، فسحب هذه الاستثمارات من خلال البيع السهل بضغطة زر على جهاز الهاتف في تطبيق مرتبط بالبورصة كفيل بأن تحول تلك الأموال من نعمة إلى نقمة، وإذا كانت العملية منظمة ومن خلال دول فإن وقعها أكبر، وهو ما حدث بالفعل بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 وما بعدها ليتحول ربيع الليرة التركية إلى خريف مفاجئ تساقطت فيه بشكل متسارع خلل السنوات الأربع الماضية.

 

 

بيرات ألبيرق سبب انهيار العملة   

بيرات البيرق هو الرئيس التنفيذي السابق لشركة تشاليك القابضة وعضو البرلمان منذ 2015، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية في نفس العام وحتى يوليو 2018 قبل أن يعين وزيرا للمالية في العام ذاته، وكان اختياره استجابة من الرئيس اردوغان لتمكين الشباب في الحزب بعد انتخابات 2015 وهي السياسة التي انتهجت في مفاصل الحزب ومكاتبه، ولأن الوزير الشاب كان صهرا للرئيس كانت سهام النقد توجه للرئيس من خلاله، فرغم علم الجميع أن الحرب الاقتصادية بدأت من قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، بسحب الأموال والمدخرات والاستثمارات الخليجية ثم الأوروبية من سوق الاستمارات التركية مع استخدام بعض المرافق المستثمر فيها من قبل بعض الدول الخليجية لضرب الاقتصاد التركي إلا أن بيرات البيرق ظل سواد النيشان لكل من أراد أن يوجه سهما للرئيس اردوغان قبل تركيا.

 

 

وإذا كان الحديث عن الليرة وتدني سعرها مقابل الدولار فإنه لزاما أن نتحدث عن معنى السياسة النقدية ومفهومها ومن المسئول عن وضعها وتنفيذها، فمصطلح السياسة النقدية يشير إلى تلك التدابير التي يضعها البنك المركزي للتحكم بالمعروض النقدي، ومن خلال تلك التدابير تستطيع أي دولة السيطرة على التضخم والتحكم بأسعار الفائدة، إذن فما تمر به الليرة التركية إنما هو مسئولية محافظ البنك المركزي وليس وزير المالية، وإن كانا مسئولان عن الوضع الاقتصادي العام، وعليه ولكي تسير السفينة بأمان يجب أن يستدعى ذلك تناغما بين السياسة الاقتصادية والسياسة المالية.

 

 

السياسة الاقتصادية وواقع الحال

لم تخط أسطر هذا المقال للدفاع عن أحد أو مهاجمة أحد ولا حتى الدفاع أو الهجوم على السياسة الاقتصادية أو النقدية المتبعة، ولكن لوضع الصورة كما هي وللقارئ الحكم، لقد اتبعت حكومة العدالة والتنمية منذ الوزير علي بابا جان، مستفيدة في ذلك بالوضع الاقتصادي العالمي سياسة اقتصادية منفتحة ومتنوعة ومتوازنة بتوزيع الاستثمارات بالتوازي على جميع القطاعات الاقتصادية، ومن ثم تم توزيع الاستثمارات على القطاعات الإنتاجية بالتوازي مع القطاعات الخدمية مع تعديل مفهوم عمل القطاع الخدمي وفق المؤشرات الرأسمالية وهو ما حقق طفرة سريعة في الاقتصاد التركي، لكن تركيا التي تنفق ما يقارب ثلث دخلها القومي على استيراد الطاقة المحركة، والأدوات الرأسمالية تظل أسيرة بشكل أو بآخر للعالم الخارجي، مع ذلك وفي ظل الأزمات التي شهدها العالم مع جائحة كورونا والتي هزت أعتى اقتصادات العالم، عملت تركيا على تقديم حزمة من المحفزات الاقتصادية شملت تخفيض أسعار الفائدة لضخ السيولة المطلوبة في القطاعات الاستثمارية الأهم كالزراعة والصناعة، مع توفير حاضنة آمنة للشركات الأكثر تضررا من الجائحة، وهو ما عرف بــــ “درع الاستقرار الاقتصادي” والذي ضخت فيه تركيا ما يزيد على الــــــ 100 مليار ليرة تركية.

 

 

من جهته دعم البنك المركزي التدفق النقدي للشركات المصدرة من خلال ميزة إعادة الخصم، وكذا تحويل الأوراق المالية المدعومة بالأصول أو الرهن العقاري، إلى مجمع الضمانات، لتكون الأوراق من الدرجة الاستثمارية وبسعر مخفض، يزيد وينقص بحسب مخاطر الاستحقاق.

 

 

 بيرات ألبيرق من فريق الرئيس إلى حضن المعارضة

لطالما انتقد وزير الاقتصاد السابق ورئيس حزب الديمقراطية والتقدم علي بابا جان السياسات الاقتصادية والمالية لحزب العدالة والتنمية بعد خروجه من التشكيلة الوزارية ثم خروجه من حزب العدالة والتنمية الذي شارك في تأسيسه، وقبل أيام خرج برات ألبيرق من الوزارة باستقالة أو إقالة لا يمكن الجزم، لكن ما أصبح يقينا هو استقالة أبيه الكاتب الصحفي المشهور وأحد أعمدة حزب الرفاة وزميل درب الرئيس أردوغان في الرفاة ثم العدالة والتنمية، الرجل الذي سافر إلى ولايته في طرابزون بدا غاضبا من استقالة ابنه وزوج ابن الرئيس، الآن ومع همز المعارضة ولمزها ومحاولة البعض اتخاذ الاستقالة وسيلة لضرب إسفين بين الرئيس وأصهاره، يقف ألبيرق في منعطف طرق ستكتب تاريخه، وهو الطامح بشكل كبير لأكثر مما وصل إليه، هل يذهب ألبيرق لأحضان المعارضة كما فعل بابا جان ويكون معول هدم، أم أنه سيلجأ إلى طرابزون ليستشفى من وقع الأحداث مخيبا آمال المعارضة في توجيه ضربة للرئيس.

 

هل تعافت الليرة التركية بعد مرض وزير ماليتها 

في استقالته المنشورة على حسابه على تطبيق تليجرام للرسائل النصية أرجع برات ألبيرق سبب استقالته من منصبه إلى الوضع الصحي الذي يمر به وأنه يريد أن يتفرغ لعائلته، وهو ما جعل السؤال يطرح على نطاق واسع: هل تتعافى الليرة بعد أن استقال وزير المالية، لقد كانت المعارضة لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتعلقها في رقبة البيرق، ولم يسلم الوزير الشاب من لمز المعارضة وإعلامها ليل نهار والهدف بكل تأكيد كان الرئيس، الذي من جهته وفي أول كلمة له بعد استقالة وزير المالية قال إن إدارته ستركز في الفترة المقبلة أكثر على اكتساب الثقة في السياسات الاقتصادية وأنها ستعمل على تقليل المخاطر الاقتصادية، بانيًا ذلك على ثلاث ركائز للسياسة الاقتصادية الجديدة: (استقرار الأسعار والاستقرار المالي واستقرار الاقتصاد الكلي)، ولتبرير استقالة أو إقالة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي قال: (إن انتعاش الليرة التركية أمام العملات الأجنبية عقب تعيين رئيس جديد للبنك المركزي ووزير جديد للخزانة والمالية، يؤشر أننا على الطريق الصحيح).
لكن الواقع المجرد يقول إن كانت القرارات الأخيرة لها دور في ارتفاع سعر الليرة، إلا أن الأوضاع في أمريكا لعبت دورا كبيرا في ما تشهده الليرة من تعافٍ، وسواء تعافت الليرة باستقالة البيرق أو باضطراب الأوضاع في أمريكا، فإن الصلوات والدعوات تتلى من اجل أن تتعافى المعارضة من المكايدة وتبحث عن مصلحة تركيا أكثر من مصلحتها.

ياسر عبد العزيز – ترك برس

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق