مقالات و أراء

هل ينهي السيسي الدور التركي في ليبيا؟

في مشهد هوليودي لا تنقصه المؤثرات الصوتية عرض التلفزيون المصري عرضا عسكريا يحضره رأس النظام في مصر في قاعدة على الحدود الغربية للبلاد قرب ليبيا، وقف السيسي منتشيا مادحا قواته الجوية والخاصة من المظليين والصاعقة، التي اختيرت عناصرها بدقة وأسلحتها بعناية، لإكمال الرسالة التي ألقاها السيسي فيهم وليس لهم، في كلمته للقوات المصطفاة قال السيسي: (كونوا مستعدين لتنفيذ أي مهمة هنا في داخل حدودنا أو إذا تطلب الأمر خارج حدودنا).

 

خلال الأيام الماضية ولا تزال، تحقق قوات الحكومة الشرعية في ليبيا انتصارات ساحقة ومبهرة على قوات الانقلابي خليفة حفتر المدعوم من الإمارات والنظام المصري وروسيا، هذه الانتصارات التي أرجعتها قوات الحكومة الشرعية إلى التعاون مع تركيا بعد الاتفاق الأمني الذي عقد بينهما في ديسمبر من العام الماضي، والذي قلب معادلة القوة في الصراع بين الحكومة الشرعية والقوات الانقلابية.

 

طالما حاول اللواء المنقلب خليفة حفتر إضفاء الشرعية على عملياته العسكرية وتغطية القوات الداعمة له من المرتزقة الجنجويد والتشاديين والمصريين والروس والإماراتيين بمحاربة الإرهاب، وهو ما كانت فرنسا تحاول ترويجه سياسيا، حتى تم التوقيع على الاتفاق الأمني بين الحكومة المعترف بها دوليا في ليبيا وتركيا، ما عرى هذه الأكذوبة، وفي محاولة جديدة لكسب الشرعية لتلك القوات المرتزقة، وفي مشهد تمثيلي قاطع أحد الحاضرين للاستعراض العسكري في قيادة المنطقة الغربية العسكرية، عبد الفتاح السيسي ملقيا كلمة مطولة استمرت ستة دقائق، استمع لها السيسي كاملة دون مقاطعة، انتهت إلى توسل القبائل العربية وممثلها ملقى الكلمة، القوات المسلحة المصرية للتدخل لإنقاذهم من الإرهاب ومن التدخل الأجنبي.

 

ولن يسأل أحد عن كيفية وصول الرجل إلى قاعدة عسكرية مهمة كتلك التي وصل إليها، التي تزداد أهميتها في ظل الظروف التي تمر بها هذه المنطقة، لكن رسالة ما أريد لها أن تصل، لكن إخراجها كان أسوء من أن يتقبله طفل، لا المجتمع الدولي المتابع لما يجري في ليبيا، أما السيسي فله خطة أطلقها بعد كل من يدعي أنه ممثل للقبائل الليبية، اختصرها في إنشاء ميليشيات من القبائل ويقوم هو بمهام التدريب والتسليح (بزنس)، كما أنه لا مانع عنده أن تتقدم قواته مدفوعة بمليار دولار طلبها من الإمارات كقرض، يمكن أن تتحول إلى أجور ضباط وجنود وعتاد، وهو الأوفر في ظل الأزمة المالية التي تعيشها مصر وفي ظل ما يقارب الثمانية مليارات دولار قروض من صندوق النقد الدولي خلال الشهرين الماضيين.

 

المراقب لمنهجية النظام المصري وإستراتيجيته في ليبيا يدرك أنه يسعى لتقسيم ليبيا لتقاسم النفوذ، حجة خطر الأمن القومي المصري، وتدخل القوات المصرية في الشرق الليبي لم تعد مقبولة لا دوليا ولا محليا، والدور الذي يلعبه النظام كعراب لمشروع الاحتلال الإسرائيلي في البحر المتوسط ترضية لأوروبا، وعلى رأسها فرنسا، الغاضبة من الصعود التركي وتواجده في البحر المتوسط، لاسيما بعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في ديسمبر الماضي، يجعل من الهدف الاستراتيجي للنظام المصري هو الحد من هذا النفوذ، على الرغم من أن مصر في وضعها الحالي لا تستطيع أن تنافس على زعامة المنطقة في ظل هذا الانهيار الذي تعيشه على مستوى العلاقات والاقتصاد.

 

على الطرف الآخر تسعى تركيا بشكل دءوب إلى بناء شركات في ليبيا، وإن كانت متعثرة بعض الشيء لكن المحاول لا يعدم وسيلة، وفي الغالب بدايات التفاوض تبدأ متعثرة، فعلى مستوى الفاعلين بدأت تركيا بإيطاليا التي لها النفوذ الفاعل في ليبيا بحكم التاريخ، وبحكم أن إيطاليا هي أقرب الدول إلى تركيا في الاتحاد الأوروبي وأكثرها تحمسا لانضمام تركيا إلى الاتحاد، وقد كان للمساعدات التي أرسلتها تركيا لإيطاليا إبان أزمة كورونا عظيم الأثر بين القيادات السياسية، وهو ما انعكس على لقاء وزيري خارجية البلدين منذ أيام، وعلى الرغم من أن فرنسا تحاول جذبها إلى محورها مع الإمارات والنظام المصري الداعم لحفتر، إلا أن موقف إيطاليا الرسمي ظهر واضحا في الفترة الأخيرة بتوجهها نحو الحكومة الشرعية.

 

أما روسيا فيبدو تفاهم تركيا معها أكثر صعوبة، لتقاطع المصالح وبروز المساومات، لاسيما بعد أن قررت تركيا تنويع مصادر طاقتها غير معتمدة على الطاقة الروسية، لكن تشابك الملفات وتقاطع المصالح قد يجعل من روسيا حليفا أو على الأقل طرفا محايدا في ليبيا لاسيما وأن الأداء العسكري لقوات حفتر خفض من أسهم السلاح الروسي، أحد موارد الاقتصاد في روسيا، ما يعني أن مزيدا من خسائر حفتر تعني مزيدا من خسائر مبيعات السلاح الروسي، أما عن تواجدها في المتوسط فلكل حادثة حديث، إذ لا تملك تركيا البت فيه.

 

وعلى صعيد التفاهمات التركية – الأمريكية فتركيا تلعب بورقة روسيا مع أمريكا التي أيضا غير راغبة في تمدد النفوذ الفرنسي في جنوب المتوسط بهذا الشكل المنفرد، وهو ما يعني أن تركيا يمكن أن تستفيد بالرضا الأمريكي عن تواجدها في ليبيا، بما تمثله أمريكا من غطاء مهم لأي عمل على الساحة الدولية.

 

 

يرسل السيسي برسائل مفهومة، ويستعرض القوة، ويستدعي من يدعي إعطائه الشرعية في التدخل في ليبيا، وهي بالمناسبة فضيحة كبرى لنظامه الذي يقتل المدنيين على مدى سبع سنوات في ليبيا دون غطاء شرعي، لكنه في النهاية، وعلى خلاف تركيا، يريد ليبيا مقسمة، وهو ما أعلنه في كلمته أمام قواته في قاعدة المنطقة الغربية منذ أيام، وهذا هو منطلق الحل السياسي بالنسبة للنظام المصري، وقد يحتاج القوة هو ومحوره لتنفيذها، ويساعده في ذلك قوة العتاد والعدة وفتح خطوط الإمداد وهو في ذلك يتفوق على الأتراك، لكن النظام ومحور الشر المشارك فيه يفتقدون لأهم عامل في المواجهات، ألا وهو القبول الشعبي الذي تحوزه تركيا ويفتقده محور الشر.

 

 

ياسر عبد العزيز – خاص ترك برس

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق