مقالات و أراء

يطالب اللبنانيون بحضوره و الفرنسيون برحيله.. كيف سينقذ ماكرون لبنان وفرنسا تغرق؟

وصل الرئيس الفرنسي ماكرون إلى بيروت وزار موقع الانفجار، وعانق إحدى السيدات عناقاً حاراً، وأكد دعمه للبنانيين كما أخذ على نفسه العهد بألا يتركهم وحدهم، وألا يساعد سياسييهم مادياً نزولاً عند رغبة الجماهير التي تقاطرت على المنطقة لاستقبال الرئيس الفرنسي وكل أملها في أن ينتشل بلدهم من الفوضى، بل إن بعضهم ذهب أبعد من هذا بكثير فقرر توقيع عارضة تطالب فرنسا بالعودة وإعادة نظام الانتداب وانتشال لبنان من الحضيض الذي تغرق فيه.

 

لكن هذه الجماهير نسيت أن هذا الذي أمامها منذ مدة عاشت البلاد التي يحكمها وضعية أسوأ من لبنان، فقد استمرت الاحتجاجات لأشهر طويلة لم ينم فيها قصر الإليزيه نومةً هنية، فـ”السترات الصفراء” لم يهدأ لهم بال إلا بعد أن اقتلعوا حجارة الشوارع وخربوا المنشآت وأحرقوا السيارات، سخطاً على الرئيس الذي سينقذ لبنان.

يعيش المواطن اللبناني مأساة حقيقية، ولكنها لن تكون بثقل وقوة ما عاشه السوري والعراقي، لهذا نستغرب أشد الاستغراب لجوء هؤلاء لفرنسا وماكرون ورغبتهم الجامحة في عودة الانتداب الفرنسي للبنان، وكأن هذا الانتداب جعل لبنان جنة الله في أرضه، والحقيقة أنه تركها كما وجدها، بل أسوأ مما وجدها، فتركها قنبلة طائفية سرعان ما انفجرت على شكل حرب أهلية استمرت من 1975 إلى 1990.

 

 

ثم إن الاستجارة بفرنسا كالاستجارة بالرمضاء من النار، فناهيك عن المشاكل الاجتماعية، فإن الاقتصاد الفرنسي يمر بمرحلة ركود تاريخية لم يسبق لها مثيل، بل إن الاقتصاد الفرنسي سقط سقوطاً حراً خاصة مع أزمة كورونا، وحسب جريدة “اقتصاديات” فإن إنفاق الأسر الفرنسية تراجع 11%، واستثمارات الشركات انخفضت 17.8%، والصادرات هبطت 25.5%، والواردات 17.3%. وما خفي أعظم.

وأمام هذه الأرقام وهذه الحقائق نتساءل: كيف سينقذ ماكرون لبنان وفرنسا تغرق؟ وكيف يطالب اللبنانيون بحضوره والفرنسيون برحيله؟

إنه لأمر عُجاب!

الوضع اللبناني وصدى مالك بن نبي

لخطورة كتابه “شروط النهضة” حين صدوره سنة 1948، ادعت فرنسا أن الكتاب دراسة فرنسية للوضع الجزائري وأشاعت الأمر في الصحف، كما خصصت جريدة “البصائر” مقالين لتقديم الكتاب للشعب الجزائري على أنه خلاصة مقالات نشرت في جريدة Le Mond الباريسية بقلم مراسلها في القاهرة.

كما نشرت صحيفة يسارية بياناً لاتحاد الطلبة، ينبه الشعب إلى خطورة هذا الكتاب(مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 155).

لقد أدركت أن الكتاب يمثل نقلة نوعية للفكر الجزائري خاصة والإسلامي عموماً، فالكتاب ليس فقط تشريحاً للاستعمار الفرنسي وأساليبه الدنيئة، بل هو رؤية واضحة لكيفية الخروج من قبضة هذا الاستعمار وكيفية التخلص من أدرانه نهائياً حتى لا يبقى منها شيء يعكر صفو العالم الإسلامي.

حمل مالك بن نبي على عاتقه مهمة دراسة مشكلات الحضارة الإسلامية، ووضع كل جهده في سبيل الوصول لحلول تساهم في نهوض العالم الإسلامي مرة أخرة بعد أن أخلد للنوم قرون طويلة، وبعد أن تشبع بأفكار جعلته قابلاً للاستعمار إن لم يكن مطالباً به.

بالنسبة لفكر بن نبي ينطلق لربما من هذه الفكرة ومنها يتشعب، ففهم عقلية الجزائري والمسلم وتشريح شخصيته من أولويات مالك بن نبي، وهكذا يصل مفكرنا إلى كون الجزائري الذي وُلد في فترة ضبابية فوجد نفسه تحت الاستعمار الأجنبي يعاني ويلات التخلف، فقد كل ما يربطه بجماعته أو كما يقول في كتابه “القضايا الكبرى” ضمن سلسلة مشكلات الحضارة ص 31:

“وداخل الضباب يكون من العسير على الإنسان أن يشق له طريقاً معيناً، حتى لينتهي الفرد نفسه إلى فقد الصلة مع المجموع ومع الجماعة..”.

إذاً حسب مالك بن نبي الشخص الذي يولد في هذه الظروف أو يجد نفسه فيها، يمسي كائناً “قابلاً للاستعمار Colonisabilité”.

والاستعمار لا يمكن أن يحدث إلا إذا وجد الدعم من الداخل من شخصية الوطن وليس الوطن سوى الإنسان، فالقابلية للاستعمار هي الخطر الحقيقي لا الاستعمار نفسه، وذاك أن الاستعمار قد يأتي الوقت الذي ينتهي بينما تظل القابلية للاستعمار حاضرة في ذهن المستعمَر، ولا حل لطرد المستعمر من الأرض إلا طرده من الفكر “أخرج المستعمر من فكرك يخرج من أرضك”، كما قال رحمه الله تعالى.

وأن تكون فرداً قابلاً للاستعمار يعني أن تركن للجمود ألا تسعى لتغيير وضعك، أن تتكيف مع التخلف، وهكذا أنت دون وعي تصبح قابلاً للاستعمار، فالاستعمار ليس سوى فكرة تكبر في محيط يسمح لها بالنمو والازدهار، وتقتل في محيط يقطعها عنها أسباب البقاء. ولا يمكن للإنسان أن ينهض ويقف في وجه الاستعمار دون الاعتراف بالتخلف، فأول محطة يقطعها المجتمع نحو نهضته الاعتراف، وذاك أن الاعتراف يعني الاستسلام للواقع لا معاندته، والرضوح للسنن التاريخ لا الوقوف في وجهها، وهكذا فالإنسان الذي يعترف بضعفه وحده من يكتشف نقاط قوته، والذي لا يفعل غالبا ما يؤخذ بين الأرجل حتى لينساه التاريخ.

يجب أن يلي هذا الاعتراف إيمان يقيني بمدلول الآية الكريمة “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. في كتابه “شروط النهضة” نجد مفكرنا العظيم يركز على هذه الآية وما تأتي به من معانٍ، فقبل أن يفكر اللبناني في إصلاح بلده عليه أن يفكر في إصلاح نفسه، وقبل أن يغير وغيره وضعه فليغير نفسه “ومن سنن الله غيّر نفسك تغير التاريخ”. وكما يقول سقراط: “نحن الدولة”.

ركز المفكر الكبير على الفرد ولكنه لم يهمل دور الحكومات ولا يقف مشروع مفكرنا عند هذا بل يطول ويطول مما يعجب منه كل لبيب، فلهذا التركيز على الفرد لا يعني إهمال دور الحكومات في تغيير الواقع وبالتالي تغيير الفرد، وكما يقول بن خلدون: “الإنسان نتاج تفاعلات”، فالحكومة التي تحسن إلى مواطنها تبني الفرد وتلك التي تهين تهدم كيانه، ولنا في تجربة محمد علي باشا في مصر خير مثال.

تجربة محمد علي في مصر وقابلية المصري للاستعمار في ذلك الوقت

في أواخر القرن الثامن عشر (1798-1801) فكر الجنرال الفرنسي المنقلب على الثورة الفرنسية حديثاً في غزو مصر، وذلك لكون مصر منذ القديم همزة وصل بين القارات الثلاث آسيا، إفريقيا وأوروبا، وحشد لذاك الجند والعلماء والعدة والعتاد، والأهم من ذلك خطة خبيثة ستفتح له مصر على مصراعيها وسيقبل الأهالي دخوله بل سيرحبون به أيما ترحيب، هذا ما قاله له أحد العرب الذين اعتمد عليهم نابليون بونابرت إبان حملته على مصر، وتقضي الخطة أن يعلن للمصريين دخوله في الإسلام، وبذلك يضمن عدم مقاومتهم له.

فهل تنطلي الحيلة على المسلمين؟ هيهات هيهات؛ وقف العلماء في وجه الاستعمار الفرنسي ووجه الصفوف وأعلوا الجهاد، وبقي المصريون يقاتلون رغم تفرق حكامهم الذين استسلموا دون أدنى مقاومة تذكر، ولم يهدأ للفرنسي بال كما يذكر محمد عبده في مقاله الشهير “أعمال محمد علي بمصر”:

“.. دخل البلاد بسهولة [الاستعمار الفرنسي] لم يكن ينتظرها؛ احتل عاصمتها واستقر له السلطان فيها. لم تكن أيام قلائل حتى ظهر فيه القلق وعظمت حوله القلاقل ولم تنقطع الحروب والمناوشات ولم يهدأ لرؤساء العساكر بال. يدلك على ذلك شكوى نابليون في تقاريره التي كان يرسلها إلى حكومة الجمهورية.. قتل بعض رؤساء الجيش واضطربت البلاد.. وخرجت عساكر الفرنساويين من مصر، ولا أطيل عليكم فقط ظهر محمد علي..”.

إن ظهور محمد علي وبداية فترة التحديث هو الشاهد هنا، فمحمد علي وإن كان قد عُرف عنه بناء دولة مصرية قوية، فقد كان له الأثر الكبير في هدم الشخصية المصرية، وهو عامل رئيس في نشوء ما نسميه “القابلية للاستعمار”، وسنعرف كيف انطلاقاً من مقالة المفكر المصري المعاصر لفترة حكم عائلة محمد الشيخ “محمد عبده”.

“ما الذي صنع محمد علي؟ لم يستطع أن يحيي ولكن استطاع أن يميت.

ماذا صنع بعد ذلك؟

.. فجعل يستعين بالأجانب من الأوروبيين فأوسع لهم في المجاملة وزاد لهم في الامتياز.. صار الصعلوك منهم لا يملك قوت يومه ملكاً.. وصغرت نفوس الأهالي.. وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حرم منها وانقلب الوطني غريباً في داره.. فاجتمع على سكان البلاد ذلان: ذل الحكومة الاستبدادية وذل الأجنبي..”.

هكذا إذن فعل محمد علي بالمصري، حوله من مالك لأرضه إلى فلاح لدى شرذمة الأوربيين، وبات يمارس عليه أنواع العذاب ويسقيه من كل كؤوس العبودية والهوان، ويلذذ في تعذيبه ويعامله كما تعامل الدواب وحتى الدواب ليحرم على الإنسان المسلم أن يفعل بها ما فعله محمد علي بالمصريين؛ وسأنقل لكم صورة عن المأساة التي عاشتها النساء زمن محمد علي؛ يقول جويث تاكر في كتابه “نساء مصر في القرن التاسع عشر” ص 106-107:

“كانت لأعمال السخرة والسوق الإجباري إلى الخدمة العسكرية آثار أعمق وأبعد على بنية الأسرة.. لقد رأيت نساء يلدن في الخنادق ثم يجبرن على معاودة العمل في اليوم التالي وحمل الأتربة وكتل الطين..”.

بعد كل هذا كيف يفكر المصري في كرامته وهيبته، لم يعد يعرف لهما

شكلاً، وهكذا لم دخل الإنجليز البلاد وجدوا أن محمد علي وعائلته قد سهلت عليهم المأمورية، فلم يجد الإنجليز تلك المقاومة التي كانوا يتوقعونها وهم يعرفون ما وقع مع الفرنسيين، ولكن كما قلنا ما فعله محمد علي بأهالي مصر في وقتها أفقدهم كل حسّ بالمسؤولية والمواطنة وباتوا قابلين للاستعمار، لا حباً ولكن كرهاً.

نهاية لابد منها

لا يمكنني بأي حال كان أن ألوم اللبناني الذي وقع على العارضة المطالب بعودة فرنسا، لكني أوجه لومي للحكومة اللبنانية والحكومات العربية التي أذاقت المواطنين سوء العذاب حتى اضطروا للتشبث بالأجنبي وتمني عودة الاستعمار، أعرف أني بينت أن هذه الدعوة غريبة لأن ذاك الفرنسي نفسه يعيش أزمة لا يحسد عليها، وأني قد تحدثت عن دور الفرد في تغيير واقعه، ولكني ها هنا أعود وأقول ليس اللبناني وحده مَن تسبب في واقع لبنان، بل كل السياسيين الذين لم يفلحوا طوال عقود من بناء دولة قوية رغم ما حبا الله تلك الأرض من نِعم، لم يستطع لا السياسي اللبناني ولا الجزائري ولا المصري ولا المغربي ولا العراقي ولا غيرهم أم يقنع المواطن بأن بلاده أجمل وأن المستقبل أفضل، كيف إذا يموت الطفل العراقي جوعاً وبلاده تسبح على بحر من النفط؟ وكيف يركب الجزائري البحر وبلاده تصدر ملايين براميل النفط يومياً؟ لا أعلم كيف!

“إني لا أعرف من باع الوطن ولكني أعرف من دفع الثمن”

علي الرباج – عربي بوست
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق