اقـتصــاديـة

كيف سينعكس تقارب أنقرة والرياض على الاقتصاد التركي؟

قررت المحكمة الجنائية الـ11 في إسطنبول، المسؤولة عن النظر في قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الخميس، إحالة قضية محاكمة متهمين بجريمة مقتل خاشقجي إلى السلطات القضائية السعودية بشكل رسمي.

 

 

ونقلت تركيا ملف قضية الصحفي جمال خاشقجي إلى السعودية، بالتزامن مع مساعي أنقرة لإصلاح العلاقات “الفاترة” مع المملكة، ما يثير التساؤلات حول أسباب هذا التحول التركي تجاه ملف تمسكت به في الساحة الدولية.

وقال المحلل السياسي التركي، جنكيز تومار، إن التقارب التركي السعودي، جاء نتيجة لتغير سياسات الدول في الشرق الأوسط، إضافة إلى غياب الدور الأمريكي الفاعل عن المنطقة.

 

 

وأشار في حديثه لـ”عربي21″ إلى أن الخلافات التركية السعودية كانت في مختلف الجبهات منذ بداية الربيع العربي، ولكن ذروة الخلاف ظهرت بعد قضية مقتل الصحفي السعودي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018.

ورأى أن غياب الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط مؤخرا، سيؤدي إلى تقارب جميع الدول مع تركيا، وعلى رأسها السعودية ومصر وإسرائيل.

واعتبر أن التقارب بين أنقرة والرياض سينعكس إيجابا على اقتصاد كل دول المنطقة وليس فقط على الجانب التركي، متوقعا ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا وكل من السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل خلال الفترة المقبلة.

وأثارت جريمة قتل خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2018؛ غضبا عالميا ومطالبات مستمرة بالكشف عن مكان الجثة، وتفاصيل الجريمة.

وفي 5 كانون الأول/ديسمبر 2018، أصدر القضاء التركي الجاري، مذكرة توقيف بحق النائب السابق لرئيس الاستخبارات السعودي أحمد عسيري، والمستشار السابق لولي العهد سعود القحطاني، على خلفية جريمة قتل خاشقجي.

وعام 2020، أصدرت محكمة سعودية أحكاما بالسجن تتراوح بين 7 و20 عامًا على ثمانية أشخاص متهمين بالقتل.

 

 

عودة بطيئة

من جانبه، توقع الباحث التركي، إسماعيل شايا، أن العلاقات التركية السعودية، لن تعود إلى حالتها الطبيعية السابقة بسرعة، مرجحا أن تسير عملية ترميم العلاقات خطوة بخطوة وبحذر.

وأوضح في حديث لـ”عربي21″ أن ملف قضية خاشقجي، لم يكن السبب الوحيد لتدهور العلاقات التركية السعودية، بل كان أحد الأسباب، وبعد طي تركيا ذاك الملف يمكن القول بأن أحد الأسباب التي أدت إلى تدهور العلاقات التركية السعودية تمت إزالته.

وأكد وجود أسباب ما تزال عالقة بين الجانبين ويصعب تجاوزها، لا سيما أن عددا من الدول ينظر إلى تركيا على أنها منافس إقليمي وعدو، وبالتالي ترغب في إسقاط التجربة التركية.

ورجح أن تكون العلاقات بين أنقرة والرياض في المرحلة الراهنة على مستوى الضرورات، مشيرا إلى أن الظروف الدولية والإقليمية فرضت على الجانبين مراجعة حساباتهما.

وبسبب الموقف التركي على الساحة الدولية، من جريمة قتل حدثت في أراضيها، قامت السعودية بتفعيل عقوبات اقتصادية ضد تركيا، من خلال مقاطعة المنتجات التركية تدريجيا، حيث انخفضت صادرات تركيا إلى السعودية، التي بلغت 3 مليارات و292 مليون دولار في عام 2019، إلى مليارين و379 مليون دولار في عام 2020. ثم في عام 2021 انخفضت بشكل حاد إلى 186 مليون دولار.

ولم تشمل العقوبات فقط قطاع المصدرين الأتراك، بل أيضا قطاع المقاولين، بحسب أرقام نقابة المقاولين الأتراك، ووفقا لأرقام جمعية المقاولين الأتراك، بينما قامت الشركات التركية بتنفيذ ما مجموعه 3 مليارات و43 مليون دولار من المشاريع في المملكة عام 2018، وانخفض هذا الرقم فجأة إلى 559 مليون دولار في عام 2019، ليصل في عام 2020 إلى 21 مليون دولار.

 

 

قفزة بالصادرات

وقفزت الصادرات التركية إلى السعودية بنسبة 25 بالمئة في الربع الأول من عام 2022، بحسب بيانات تبادلها مجلس المصدرين الأتراك، وسط محاولات مصالحة بين القوتين الإقليميتين.

وبلغت الصادرات التركية ما يقرب من 70 مليون دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، مقارنة بمبلغ 55 مليون دولار العام الماضي.

وجاء الجزء الأكبر من الصادرات في شهر آذار/مارس، حيث ارتفعت إلى 58 مليون دولار من 18.5 مليون دولار، بزيادة 215 في المئة على أساس سنوي.

وأكد الخبير الاقتصادي التركي، علاء الدين شنكولر، في حديث لـ”عربي21″، أن التقارب السعودي التركي سينعكس بشكل إيجابي جدا، وسيؤدي إلى التحسن المنتظر والمتوقع في الاقتصاد التركي.

وبين أن الاقتصاد التركي سينتعش بعد تقارب أنقرة والرياض، لأن سوق السعودية لها أهمية كبيرة للمصدرين الأتراك، كما أن المنتجات التركية تلقى رواجا في السعودية على حساب المنتجات الأجنبية الأخرى.

بدوره، قال الباحث والخبير الاقتصادي، يحيى السيد عمر، لـ”عربي21″ إن الاقتصاد والسياسة مسارين متلازمين، لا يمكن فصلهما عن بعض، وفي كثير من الأحيان تمكن الاقتصاد من حل أزمات سياسية معقدة، وذات الأمر ينسحب على تركيا والسعودية.

وأكد أن أي تقارب سياسي بين تركيا والسعودية سيكون ذا أثر اقتصادي مباشر على كلا الدولتين، فالسعودية سوق كبير وواعد، ومن شأنه أن يكون وجهة رئيسة للإنتاج التركي، ومن جهة أخرى تعد الاستثمارات السعودية في تركيا ذات مصلحة مشتركة للطرفين.

وبين أن دخول أي استثمارات جديدة إلى تركيا من شأنها دعم المؤشرات الاقتصادية، ودعم قيمة الليرة التركية وفي ذات الوقت تحقيق عوائد جيدة لرأس المال السعودي خاصة في ظل البيئة الاستثمارية التركية الجيدة.

وعملت تركيا في الأشهر الأخيرة على تحسين العلاقات مع العديد من القوى الإقليمية التي كانت تربطها بها علاقات عدائية سابقا، بما في ذلك السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل.

وتسعى أنقرة للحصول على مزايا مالية واقتصادية لتعويض الضغط المستمر الذي تشعر به تركيا بشأن الليرة المتعثرة والتضخم المرتفع.

زر الذهاب إلى الأعلى