مقالات و أراء

ما الذي عرفه شعب تركيا وجهله العرب؟

منذ قرابة العقدين تسير تركيا بخطىً ثابتة نحو تحقيق الرخاء الاجتماعي والنماء الاقتصادي في ظل نظامٍ سياسيٍّ مستقر يقوم على ديمقراطيةٍ أثبتت في تموز 2016 أنها بالفعل تمثل الخيار الحقيقي للشعب في تركيا. لكن ما الذي قام به الشعب في تركيا خلال تلك الفترة وما قبلها وغفل عنه شعب الأقاليم العربية في الشام وبلاد الرافدين والجزيرة العربية وحتى في شمال أفريقية؟ غفلةٌ يحصدُ ثمارَها اليوم 300 مليون عربي فقراً وجهلاً استبدا بهم، حتى صاروا يركبون القوارب المطاطية ويرمون أنفسهم في بحارٍ لا قرار لها.

من السطحيةِ بمكان أن نحاول فهمَ أيٍّ من الجوانب والأحداث الخاصة في المنطقة الممتدة من البحر الأسود إلى بحر العرب ومن الخليج العربي إلى المحيد الأطلسي دون الأخذ بعين الاعتبار ترتيبات إدارة المشهد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. فمنذ عام 1945 تم اختصار العالم في خمسة. أخذت تلك الدول الخمسة على كاهلها قيادة العالم وإدارة موارده ومقدراته حتى صرنا إلى ما نحن عليه اليوم من أزماتٍ وحروبٍ انتشرت في كل مكان، واختلالٍ لموازين العدالة الاجتماعية والاقتصادية، حتى البيئة لم تسلم من مستويات التلوث التي لم يشهد مثلها العالم من قبل. ولهذا، سنحاول قراءة تساؤلنا وإجراء المقارنة في ثلاثة محاور: السياق المحلي والسياق العالمي والجغرافية:

 

الجغرافية ومنابع الطاقة:

 

 

تركيا قد حافظت على وحدة أراضيها طوال القرن العشرين، وظلت -رغم التنوع الديني والقومي فيها- دولةً واحدةً ترعى شؤون أمةٍ واحدةٍ في ربوع وطنٍ واحدٍ تحت ظل رايةٍ واحدةٍ

إن تمركز منابع النفط في الأقاليم العربية جعل الأخيرة تستحوذ على جُلِّ اهتمام القوى الكبرى بل وتسلطها، وذلك للسيطرة والاستفادة من تلك الموارد الهائلة من جانب، ومن جانب آخر، كان من غير المقبول تركُ كلِّ تلك الثروات لأيِّ شعب ليستفيد منها، فالرخاء الاقتصادي قد يُضحي حجر ارتكازٍ لبناء تنميةٍ واستقلالٍ تعطي ذلك الشعب القدرة على الانطلاق قُدُماً في حال توفر القيادة الحكيمة. أما في تركيا، فغياب تلك الموارد وإحكام السيطرة على الموارد المحدودة بموجب اتفاقيات ظالمة ترك تركيا في بحبوحةٍ من الفراغ النسبي من تسلط القوى الكبرى اقتصادياً فاستطاعت القيام بإجراءات قادت الأمة إلى ماهي عليه الآن مجرَّد أن وصل للأمر من هو أهل له.

 

السياق المحلي:

في تركيا، وبُعيد الحرب العالمية الثانية، كانت المواجهة المحلية مباشرة بين العلمانية والإسلام، وكان إرثُ الخلافة بعيد سقوطها ثقيلاً على كاهل المواطن التركي المسلم. ومثله كانت الإجراءات التي تمت لفرض الواقع الجديد. كل ذلك ولَّد تمسُّكاً فريداً من نوعه عند الشريحة العريضة من الشعب التركي ذات التوجه الإسلامي مع عناصر دينهم الذي اختاروه ونشؤوا عليه ومعه شهدوا عظمة دولتهم ورفعة أمتهم لقرون امتدت. لكن مع الأسف، فهذا التمسك لم يرَ النور في واقع البلاد الاجتماعي والسياسي عندئذٍ، بل مرت عدة عقود تبلور خلالها ذلك تدريجياً وببطء وحذر شديدين حتى بدأنا نرى عودة الأذان إلى المآذن، ثم تشكلت منابر سياسية واجتماعية خجولة في البداية. بيد أنه مع العمل الدؤوب والفكر الذي لا يمل ترسخت تلك المنابر واشتدت سواعدها وانطلقت تقود مسيرة شعب عاد يتنفس من جديد.

أما في الأقاليم العربية، فلم نرَ تلك المواجهة المباشرة، بل على العكس، لقد كان رداء الدين والفضيلة حاضرين مع كل سلطة تستولي على مقاليد الحكم، خصوصاً في حالة الأسر الحاكمة، حتى في سياق الحركات القومية، فهي وإن كانت قد حاربت الإسلام ضمناً وروَّجت لقيمٍ مستمدة من الشيوعية علناً، لكنها لم تجرؤ على فرض هوية منسلخة عن الدين. ربما تكون سوريا هي الاستثناء الوحيد لذلك، فبعد أحداث حماة في عام 1982 كانت هناك حملة شرسة وعلنية ضد الإسلام كدين وهوية، لكنها ما لبثت أن انكفأت وعاد النظام للبس عباءة لا تجعله في مواجهة الشعب ذي الهوية الإسلامية. ونرى في عامة الأقاليم العربية أن شيوخ السلاطين قد عملوا كذلك على التخويف من الخروج على ولي الأمر – وهم الذين خرجوا على ولي الأمر للتو في 1916. فوقف الشعب مذهولاً حائراً وسلَّم أدواته لهم طواعية، ولم ينتبه لما كان يحاك له إلا متأخراً جداّ.

من جهة أخرى نرى أن تركيا قد حافظت على وحدة أراضيها طوال القرن العشرين، وظلت -رغم التنوع الديني والقومي فيها- دولةً واحدةً ترعى شؤون أمةٍ واحدةٍ في ربوع وطنٍ واحدٍ تحت ظل رايةٍ واحدةٍ. أما العرب، فقد تم تقسيمهم شر تقسيم، وباتوا بضعاً وعشرين دولة، فرقتهم الحدود وباعدتهم الايديولوجيات، بل وكم نشبت بينهم الخلافات والحروب وصار بأسهم بينهم.

السياق العالمي وما تحت الرماد:

بعد ردحٍ من الزمن، وخلال العقود الأخيرة من القرن المنصرم، كان من الطبيعي أن يظن المراقب الخارجي أن الأمة التركية قد تم بالفعل خنق عنفوانها، وأن القصر المنيف والقلعة الشامخة في ذلك الثغر قد أضحت رماداً وباتت سطراً في كتب التاريخ. والحقيقة أنه من تحت رماد الدمار الممنهج الذي تمت ممارسته على تركيا انتفض طائر العنقاء، وها هو قد فرد جناحيه وبدأ بالتحليق. ليكون مفاجأةً أخذت الخمسة على حين بغتة.

أما العرب، فكان أوار لهيب تطلعهم للحرية لايزال ملتهباً ولم يتوقف، غير أنهم تمَّ تخديرهم بالدين تارةً والوطنية تارةً أخرى وربما بالقومية تارة ثالثة وهكذا. تُطالُعنا انتفاضاتٌ متفرقةٌ هنا وهناك سرعان ما كان يتم وأدها في مهدها. وعندما هدأت أمواج التطلُّع للحرية خلال العقد الأول من هذا القرن، جاء الربيع العربي ليرسل رسالةً لا لُبس فيها أن قلب الأمةِ لازال نابضاً، ولو بدا أن جسدها لا حراك فيه فهي لا تزال مكبلة الأطراف لا تملك زمام أمرها.

هناك الكثير مما يستطيع العربُ أن يتعلموه من التجربة التركية، ويبقى عليهم تطوير منهجٍ يكون على قدر التحديات التي تحيق بهم، وأن يُوجِدوا لذلك الموارد -خاصة البشرية منها- اللازمة للسير قدماً على درب الحرية والكرامة لتحقيق تطلعات ذلك الشعب. وتظل المسؤولية كذلك في عنق تركيا للأخذ بيد أولئك الذين لا يزالون تحت الرماد. نحن لا نعرف الكثير عن طائر العنقاء ولكننا نعلم أن الطيور لا تسافر إلا في أسراب.

 

طارق خليل – الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق