عـالـمـيـة

5 ملامح نفسية تحدد لك شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

في ديسمبر/كانون الأول عام 2015، نشر نائب رئيس الوزراء الروسي “دميتري روغوزين” على تويتر صورة لكلٍّ من فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي باراك أوباما جنبا إلى جنب، في جانبها يحمل بوتين نمرا، وفي الجانب الآخر يظهر أوباما وهو يحمل كلبا صغيرا ورقيقا، وكتب على الصورة: “لدينا قيم مختلفة، وحلفاء مختلفون”.

 

هذا ليس جديدا، لكنه فج فقط. الكرملين دائما ما يدفع بصورة إعلامية عن بوتين تقول إنه قوي، بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ شخصية وجسدية، هل رأيت من قبل فيديو أو صورة لبوتين وهو يركب الحصان عاري الصدر أو يلعب الجودو أو يقود إحدى سيارات السباقات؟ لا بد أنك فعلت، لأن هذه هي الرسالة التي تغزو العالم عن هذا الرجل، لكن السؤال الأهم هنا هو: هل بوتين كذلك حقا، أم أنها مجرد صورة تُروَّج إعلاميا؟

لحُسن الحظ، هناك فريق من جامعة سانت جون الأميركية اهتم بتلك النقطة تحديدا، وأعدَّ دراسة حول الأمر بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام 2014، وطوَّرها لاحقا بعدما تدخَّلت روسيا عسكريا في الحرب السورية. في النهاية، نُشرت الدراسة علنا بعد التدخُّل الروسي (المزعوم) في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، وهي تتبع منهج عالِم النفس الأميركي “تيودور ميلون” في تحليل الشخصيات السياسية، وتُعرَّف الشخصية هنا بأنها: “نمط معقد من الخصائص النفسية المتجذرة بعمق التي تكون إلى حدٍّ كبير غير واعية ولا يمكن تغييرها بسهولة، وتُعبِّر عن نفسها تلقائيا في كل جانب من جوانب الأداء تقريبا”.

 

 

 

في هذا التحليل للشخصية (بالتحديد للشخصية السياسية، أي السلوك السياسي)، هناك أكثر من عشرة عوامل يحصل فيها الشخص، بحكم سلوكه الظاهر للباحثين، على تقدير يتراوح من الضعيف إلى المَرَضي، وفي الحالة المَرَضية تظهر اضطرابات الشخصية مثل النرجسية والحدية وغيرها، لم يحصل بوتين على أية درجة مَرَضية في تلك المعايير، لكنه سجَّل درجة عالية جدا في ثلاثة منها، سنعتمد عليها في هذا الوصف التحليلي، وهي السيطرة، والطموح، ويقظة الضمير (وهو تعبير يُشير إلى الحذر والاجتهاد والإتقان).

بالطبع يجب أن نُشير، قبل المُضي قُدما في هذا التحليل، إلى نقطتين مهمتين، أولاهما أن تحليل شخصية فرد ينتمي إلى مؤسسة سياسية لا يُعطي انطباعا عن شخصية تلك المؤسسة السياسية، لكن في الحالات التي يصبح فيها هذا الفرد مسيطرا على المؤسسة إلى حدٍّ كبير تجد هذه التحليلات بعضا من الأهمية، النقطة الأخرى هي أن تحليلات الشخصية من هذا النوع ليست دقيقة تماما بالطبع، لكنها تُرجِّح سمات شخصية تكون صحيحة في كثير من الأحيان عند تحليل القرارات السياسية.

 

كيف يُعبِّر بوتين عن نفسه؟

 

يميل صاحب السمات الشخصية التي تكتسب درجات عالية في نطاق “السيطرة” مثل فلاديمير بوتين إلى التعبير عن نفسه بسمة شخصية رئيسية هي الحزم، يود أن يظهر دائما قوي الإرادة، وصريحا في تعبيره، وتنافسيا، وغير عاطفي، قد يصل ذلك إلى التعجرف وإثارة الجدل في بعض الأحيان، ويميل هذا النوع من الشخصيات -المهتمة اهتماما زائدا بالقوة (والقوة فقط)- إلى التعنُّت والعناد والسلوكيات القسرية في بعض الأحيان.

 

يؤدي ذلك إلى سلوك يُعتقد أنه جزء رئيسي من شخصية فلاديمير بوتين، إذا مسَّ شيء ما ميوله ناحية القوة فسيكون صريحا ومفاجئا وغير صبور، مع نوبات من السلوكيات المتهورة أو العدوانية. أصحاب هذا السمت كذلك حساسون، خاصة نحو التوبيخ أو الإهمال أو التقليل من شأنهم، وعند الضغط عليهم (خاصة في الأمور الشخصية) يمكن أن يصبحوا غاضبين ومن المرجَّح أن يستجيبوا استجابة انعكاسية انتقامية، ومن ثم يسهل استفزازهم للهجوم.

 

على الجانب الآخر، فإن ملمح “الطموح” من شخصية بوتين يدفعه للظهور واثقا من نفسه دائما، ومؤهَّلا وعلى استعداد دائم للفعل، ويحاول خلال ذلك أن يفرض جوا من الهدوء، لكنه يميل (في الصورة المتطرفة منه) إلى التصرف بطريقة مغرورة، أو قد يُظهِر الغطرسة أو اللا مبالاة أو الوقاحة أو الفوقية أو الافتقار إلى النزاهة أثناء التنافس. جميع أشكال هذا النمط تتمحور حول الذات إلى حدٍّ ما، وتفتقر إلى الكرم والمعاملة بالمثل اجتماعيا.

 

بالإضافة إلى ذلك فإن أمثال بوتين عادة ما يبذلون قصارى جهدهم لدعم القواعد والمعايير التقليدية، ويتبعون اللوائح بدقة، وعادة ما يكونون مسؤولين حقا، وموثوقين وحذرين ودقيقين ومنضبطين ومنظمين إلى درجات عليا، لكن ذلك يميل في درجاته العليا إلى الجمود، حيث تتحكَّم بهم تلك السمات الجادة إلى درجة من العناد، فالعواطف مُقيَّدة بأسلوب حياة منظم للغاية، والملابس رسمية أو مُقيَّدة في اللون والأسلوب.

 

كيف يتعامل بوتين مع الآخرين؟

يتمركز سلوك بوتين مع الآخرين، بحسب التحليل، حول وجوده القيادي؛ فهو قوي وموثوق وتوجيهي ومقنع، وغالبا ما يحاول أن يُملي قوانينه على الآخرين ويكون مستعدا للضغط عليهم من أجل الامتثال للأوامر. وتتمحور إستراتيجية الهيمنة الخاصة به حول كون معظم الناس يتعرَّضون للترهيب في مواجهة العداء والسخرية والنقد والتهديدات، ومن ثم فإن شخصيات مثل بوتين تبرع في شق طريقها من خلال إكراه الآخرين على الاحترام والخضوع. لكن الأمر قد يتطرَّف إلى ما هو أعمق من ذلك، ويصل إلى الحصول على الرضا الذاتي في ترهيب وإكراه وإذلال الآخرين.

 

سياسيا، كثيرا ما يجد الأفراد أصحاب هذا النمط الإكراهي، بكل تدرُّجاته، مكانا ناجحا لأنفسهم في الأدوار التي تحظى فيها السلوكيات العدائية بالإعجاب الاجتماعي، مما يوفر منفذا للعداء الانتقامي المتخفي تحت ستار المسؤولية الاجتماعية.

في المقابل، يفتقر هذا النوع من الشخصيات إلى التعاطف الحقيقي مع الآخرين، ويتوقعون خدمات دون تحمُّل مسؤوليات متبادلة، بل وقد يتطوَّر الأمر -في حال تطرُّفه- إلى أشكال استغلالية مثل التلاعب بالآخرين لإشباع رغباتهم أو تعزيز أنفسهم أو تعزيز أجندتهم الشخصية، لكن في الصورة المتوسطة فإن هذه الشخصية تدرس نقاط ضعف الآخرين -المنافسين خصوصا والجميع عموما- وعن طريق الإخلال بتوازن الآخرين يحققون درجات من السيطرة.

 

لكن جميع أشكال هذا النمط من الشخصية تمتاز بقدر من الجرأة والوقاحة التي غالبا ما تعكس الثقة والسلطة وتُثير الإعجاب والامتثال من الآخرين، خاصة أن سلوكهم -على الرغم من جرأته- يمكن أن يتسم باللباقة، لأنهم يلتزمون بشدة بالأعراف والقوانين الاجتماعية، كونهم ذوي “ضمير حي” يجعلهم مخلصين لعائلاتهم وقضاياهم ورؤسائهم، ويعاملون مَن فوقهم باحترام ويُكرِّسون أنفسهم لإقناع السلطات بولائهم وكفاءتهم وعقلهم الجاد.

كيف يرى بوتين العالم؟

تنعكس صراحة وعزم هذا النوع من الشخصيات في صورة معتقدات قوية يدافعون عنها تُشكِّل ذواتهم والعالم المحيط. لذلك قد تميل تلك الشخصيات إلى أن تكون مؤدلجة؛ تفتقر إلى الموضوعية وتتشبَّث بعناد بالأفكار والمعتقدات والقيم السابقة، وفي الصورة الأكثر تطرُّفا منها ربما تتسم بالتعصُّب وضيق الأفق، وربما تغيب عنها المرونة بحكم الميل إلى تغليب القناعات الأيديولوجية على حساب المنطق، ونادرا ما تتنازل عن موقفها حول أي قضية مهما كانت الأدلة تدعم ذلك. لهذه الأسباب، يكون أصحاب هذه الشخصية غالبا غير متسامحين اجتماعيا ومتحيزين بطبيعتهم، خاصة ضد الفئات الاجتماعية التي تبدو بالنسبة لهم “مستهترة” أو “سائلة”.

إلى جانب ذلك فإن أصحاب هذا النمط من الشخصية مبتكرون وواسعو الحيلة ويؤمنون بشدة بفعاليتهم، قد يتطوَّر ذلك في الحالات المتطرفة ليجعلهم منشغلين بتخيُّلات تمجيد الذات بسبب الإنجاز أو الشهرة، وقد تصل المبالغة في إنجازاتهم إلى حد تحويل، أو قُل تبرير، الفشل وكأنه نجاح. لكنهم في هذا السياق ليسوا ساذجين، بل أهم ما يميز شخصياتهم هو الطبيعة الحذرة، إلى جانب الحصافة والمنهجية والاهتمام بالتفاصيل، ومن ثم يعملون بجد على تجنُّب المخاطر.

 

يميل هذا النوع من الشخصيات كذلك إلى النظر إلى المشاعر الرقيقة بوصفها علامة ضعف، ويتجنَّبون تعبيرات الدفء والأُلفة، ويُشكِّكون مباشرة في اللطف والرحمة، وحينما تظهر لدى الآخرين هذه العلامات، فإنهم يستغلونها كما أسلفنا. أضف إلى ذلك أن تحليل الشخصية أشار إلى أن طبيعة مزاج بوتين قد تجعله مستعدا لإلحاق الأذى بالآخرين إذا لزم الأمر.

لا يتصرَّف هؤلاء فقط وكأنهم يحتكرون معرفة الصواب والخطأ، بل يعتقدون أيضا أن لديهم حقا وواجبا للسيطرة على المخالفين ومعاقبتهم، وأنهم مؤهلون لتحديد كيفية تنفيذ العقوبة. في مجال الخدمة العامة، فإن وظيفتهم أولا هي البحث عن المخالفين للقواعد ومرتكبي المخالفات العَرَضية التي تقع ضمن اختصاص دورهم المعتمد اجتماعيا، ومن ثم ممارسة سلطاتهم المشروعة إلى أقصى حد.

 

كيف يرى بوتين نفسه؟

ينظر أمثال بوتين إلى أنفسهم على أنهم حازمون، وصريحون، وغير عاطفيين، وجريئون. كذلك هم يرون أنهم يتمتعون بالإرادة القوية والحيوية والقيادة، ولذلك يفخرون بوصف أنفسهم بأنهم أقوياء وواقعيون. تجعل هذه الصورة المتمحورة حول القوة من الصعب على أصحاب هذه الشخصية الاعتراف بالدوافع الخبيثة أو الانتقامية، فالسلوك العدائي من جانبهم يؤطَّر عادة بعبارات اجتماعية إيجابية، مما يُعزِّز إحساسهم بالذات.

هناك دائما يقين لدى هذه الشخصيات حول الكفاءة الذاتية، ينظرون إلى أنفسهم على أنهم جديرون بالتقدير بشكل غير عادي، على الرغم من أن الآخرين قد يرونهم على أنهم أنانيون أو متعجرفون. في الصورة المتطرفة من هذه الشخصية يوجد إحساس مُتفوِّق بالذات، حيث يعتبرون أنفسهم يتمتعون بصفات فريدة ومميزة، ويستحقون إعجابا كبيرا، ويحق لهم التمتع بحقوق وامتيازات غير عادية.

كذلك قد يبالغ أصحاب هذه الشخصية في تقدير جوانب أنفسهم التي تُظهِر الفضيلة والاستقامة الأخلاقية والانضباط، ويخافون من الخطأ أو سوء التقدير. إنهم مكرسون بإفراط للعمل، مع وجود اتجاه مماثل لتقليل أهمية الأنشطة الترفيهية، ولديهم حذر زائد تجاه الخطأ أو سوء تقدير الأمور، وحساسية مفرطة للمخالفة أو النقد، الذي ربما يكون مدمرا لإحساسهم المفرط بذواتهم.

كيف يبرر بوتين لنفسه؟

يمكن لهذا النوع من الشخصيات أن يفصل نفسه عاطفيا عن تأثير أفعاله العدوانية على الآخرين، وفي المواقف السياسية ربما تكون هذه الشخصيات قد تعلَّمت أن هناك أوقاتا يكون من الأفضل فيها كبح جماح رغباتهم العدوانية تجاه الأعداء أو غير المنضبطين، ومن ثم قد يُخفِّفون من عدائهم، وفي أحيان أخرى يعمدون إلى “العقلنة”، أي إعطاء جوانب عقلانية لسلوكياتهم، وصبغها بأعذار معقولة ومقبولة اجتماعيا.

على الجانب الآخر، قد تستبق هذه الشخصيات الرفض الذي يتوقعونه من الآخرين من خلال إبراز عدائهم لهم، وبالتالي تبرير أفعالهم العدوانية على أنها مجرد رد فعل مضاد للاضطهاد الذي كان قادما من الآخرين. تدعم هذه الديناميكيات “فلسفة الغابة” للحياة، حيث يكون الملاذ الوحيد المتصوَّر هو التصرف بطريقة جريئة ونقدية وحازمة وعديمة الرحمة، يُبرِّر بعض أصحاب هذه الشخصية صلابتهم ومكرهم بأن الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة في هذا العالم هي الهيمنة والسيطرة.

في النهاية، قد ترى أن هذه السمات ترسم صورة شخص شرير ذي شعر غير مُنسَّق، لكن كما أسلفنا فإن الدراسة تُحدِّد الشخصية على أنها نمط معقد من الخصائص النفسية المتجذرة بعمق التي تكون إلى حدٍّ كبير غير واعية، لذلك فإنها تعرض لسمات شخصية لا تظهر للناس، لكنها تُحدِّد ما يظهر للناس. الأمر الأهم أن نعرف أن الكثير من الناس يمتلكون سمات شبيهة بدرجات مختلفة، وأننا جميعا تقريبا نمتلك آليات خاصة للتبرير وتناقضات كامنة في ذواتنا، وقد نضغط على أحبائنا بعض الشيء لتحقيق أهداف نظنها أخلاقية، ولكن هذه السمات قد تصبح لدى البعض، خاصة القادة السياسيين ذوي التأثير، مُحدِّدة للقرار السياسي في السِّلم والحرب، خاصة حال كانت متطرفة قليلا، أو كثيرا، وفي سياق أجواء متطرفة بطبعها مثل الحرب.

————————————————————–

المصادر
The Political Personality of Russian Federation President Vladimir Putin
المصدر : الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق