أخــبـار مـحـلـيـة

6 دول فقط تمتلك نظام تحديد المواقع على الكوكب.. تركيا تستعد للانضمام إلى نادي “GPS”

ست دول فقط تحتكر أنظمة تحديد المواقع “GPS”، وتستعد تركيا لاقتحام النادي الحصري، باستخدام منظومة تحديد مواقع محلية الصنع، فما مدى أهمية هذه الخطوة؟ ولماذا أقدمت عليها أنقرة؟

يعمل نظام تحديد المواقع GPS) Global Positioning System) من خلال أقمار صناعية تدور في المدار الفضائي المنخفض للأرض، ترسل بدورها إشارات إلى المحطات الأرضية، لتحديد مواقع الأشخاص، أو الأشياء بأدق إحداثيات ممكنة.

المدار الأرضي المنخفض هو منطقة تمتد حتى ارتفاع 2000 كم عن سطح الأرض، ومن المتوقع أن تستمر أعداد الأقمار الصناعية في الزيادة في العقود القادمة، لأن الشركات الخاصة تقوم بإنشاء مجموعات ضخمة خاصة بها، كل منها يحتوي على آلاف الأقمار الصناعية الفردية، والتي سيتم استخدامها لتطوير شبكات أسرع عبر الإنترنت وتقديم مجموعة من الخدمات الأخرى، مثل مراقبة تغير المناخ.

ووفقاً لإحصائيات هيئة الفضاء التابعة للأمم المتحدة، يوجد الآن نحو 7500 قمر صناعي نشط، تدور في المدار الأرضي المنخفض حول الكرة الأرضية، وتم إطلاق أكثر من 1300 قمر صناعي عام 2020، وأكثر من 1400 العام الماضي، ومتوقع أن يتضاعف العدد في العام الجاري.

وكان للولايات المتحدة الأمريكية السبق عالمياً في هذه التقنية، والتي تُعرف باسمها العام GPS، ويعتمد النظام الأمريكي على تحديد المواقع عالمياً على 31 قمراً صناعياً، تعمل معاً كنظام واحد تسيطر عليه واشنطن ويستخدم حول العالم.

روسيا الثانية والهند أحدث أعضاء نادي GPS

إضافة لنظام تحديد المواقع الأمريكي، كانت روسيا ثاني دولة تطور نظامها الخاص، والذي يُعرف باسم GLONASS، وقدمته موسكو للمستخدمين الروس وحول العالم منذ عام 1995، لكن النظام الروسي تعرض للانهيار وتوقف عن العمل بالكامل بعد سنوات قليلة.

بعد تولي الرئيس فلاديمير بوتين المسؤولية مطلع القرن الحالي، عاد العمل إلى GLONASS بصورة أكثر تقدماً، وفي عام 2011 أصبح النظام الروسي لتحديد المواقع يعتمد على 24 قمراً صناعياً واكتسب أهمية كبيرة.

أما النظام الأوروبي لتحديد المواقع، المعروف باسم غاليليو تيمناً بالعالم الإيطالي، فهو يعمل بشكل كامل وفعال منذ عام 2014، وبلغت تكلفته 10 مليارات دولار، ويضم 30 قمراً صناعياً، ويعمل بالتعاون مع النظامين الأمريكي والروسي.

دخلت الصين على خط إنشاء منظمومتها الخاصة لتحديد المواقع، وتسمى بايدو، منذ مطلع القرن الحالي، لكن تعثرت محاولات تشغيل بايدو1 ولم يرَ النور كما كان مفترضاً عام 2011، لكن بايدو2 أصبح فعالاً منذ عام 2012، واليوم يعتبر نظام تحديد المواقع الصيني أكثر انتشاراً حول العالم من النظام الأمريكي نفسه.

الـGPS في السيارات ذاتية القيادة/ Istock
الـGPS في السيارات ذاتية القيادة/ Istock

أما النظام الخامس، فهو ياباني واسمه QZSS أو Quazi-Zenith Satellite System، ودخل الخدمة تدريجياً منذ عام 2010، ويغطي منطقة آسيا-الهادئ، أي إنه نظام إقليمي أكثر يركز على تحديد المواقع في تلك المنطقة، وفي اليابان بشكل خاص.

الهند هي أحدث المنضمين للدول الأعضاء في نظام تحديد المواقع، حيث دخل نافيك NAVIC، أو نظام تحديد المواقع الهندي، الخدمة عام 2016.

ولنظام تحديد المواقع كثير من الوظائف الحيوية، منها المدني، ومنها العسكري. فيستخدم، من خلال تطبيقات الإنترنت المتعددة والخاصة به، في تتبع أماكن وجود الأطفال على سبيل المثال، كما يستخدم بشكل أساسي في رصد وتتبع الظواهر المناخية وحالات الطقس، وغيرها الكثير.

لماذا تريد تركيا تطوير نظام تحديد مواقع محلي؟

أصبحت تركيا الآن على بُعد خطوة واحدة من دخول نادي الدول المطورة لنظام تحديد المواقع والتوقيت العالمي، إذ تتقدم بقوة في ظل تنسيق رئاسة الصناعات الدفاعية، وتعد الأيام لوضع نظام تحديد المواقع والتوقيت الوطني العالمي في الخدمة، بحسب تقرير لموقع TRT بالعربي.

محلل السياسات الدفاعية التركية، توران أوغز، قال لـ TRT إن 6 دول فقط في العالم تستخدم هذا النوع من الأنظمة، موضحاً أهمية توطين مثل هذه التقنيات بقوله إن تركيا نجحت في تنفيذ عمليات عسكرية مختلفة وعمليات عبر الحدود وضرب أهداف حرجة، ومشيراً إلى حقيقة أن جميع المنصات العسكرية الرئيسية والصواريخ والذخائر التركية استخدمت هذه الأنظمة بشكل واضح، فقد جرى استخدام أنظمة الملاحة الأمريكية وأحياناً أنظمة دول أخرى.

الأقمار الصناعية أساس عمل أنظمة تحديد المواقع

وأكد أوغز أنه لا أحد يستطيع أن يضمن أن نظام الملاحة الخاص بدولة أخرى سيعمل في عمليات حرجة أو في بيئة حرب لا يريدها. متسائلاً “إلى أي مدى يمكننا أن نثق بأن الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والصين لن تفصل النظام عندما نكون في أمسّ الحاجة إليه في المستقبل؟”.

كما أشار إلى بُعد آخر أكثر أهمية، وهو الدقة. إذ قال إنه “من المهم للغاية أن تتأكد من صحة الإحداثيات المعطاة لك. ربما تريد تدمير هدف مهم جداً في وقت حرج، لكن نظام الملاحة الذي ستستخدمه سيعرض قيماً جرى التلاعب بها”. وأوضح أنه عندما “تجمع كل هذه الأشياء معاً، يكون من المفهوم بشكل أفضل سبب ضرورة وجود نظام تحديد المواقع المحلي والوطني”.

أين وصلت الجهود التركية في هذا المجال؟

يؤسس عديد من الشركات المهمة في تركيا شركة مشتركة لتكنولوجيا الأقمار الصناعية، والتي ستعمل بشكل مشابه للأقمار الصناعية لتحديد المواقع العالمية المسماة GPS للولايات المتحدة. كما هو الحال مع عديد من تقنيات الأقمار الصناعية الأخرى، سيُجرى تطوير أقمار تحديد المواقع العالمية داخل هذه الشركة.

سيكون للشركة الجديدة، التي سيُجرى تأسيسها بالشراكة مع Aselsan وTusaş وTürksat وTübitak ووكالة الفضاء التركية، حصة ذات أولوية في تطوير جميع تقنيات الأقمار الصناعية في المستقبل. هذه التكنولوجيا، التي يُنتظر أن تكشف مزيداً من المعلومات الملموسة في المستقبل، ستُستخدم للأغراض العسكرية والمدنية على حدٍّ سواء.

تركيا حققت تقدماً كبيراً في مجال الطائرات المسيرة/رويترز

وسيكون للأقمار الصناعية، التي جرى تضمينها في برنامج الفضاء التركي  للسنوات العشر المقبلة، والتي من المحتمل أن تُنقل إلى الفضاء بإمكانات تركيا نتيجةً للدراسات التي تشمل تقنيات الإطلاق الوطنية، أهمية استراتيجية على المستوى العسكري، حسبما جاء بيان الرئيس التركي حول الموضوع: “بفضل نظام تحديد المواقع الإقليمي الخاص بنا، والذي سننشئه بطريقة مبتكرة، سنتخلص من التبعية الأجنبية التي تشكل مخاطر كبيرة”.

وفي إشارة إلى أن صناعة الدفاع التركية هي “عائلة كبيرة جداً”، أكد مسؤول المبيعات وتطوير الأعمال في TUALCOM أحمد صالح إردم في حديثه إلى  TRT أنهم في الشركة قد فكروا فيما يمكن أن يكون مفقوداً في بعض المنتجات اللازمة لإنجاح جهود “العائلة”، ثم توصلوا إلى حلول لتعويض هذا النقص.

هل مشروع TRNAV “تحديد المواقع التركي” عسكري فقط؟

وفقاً لـ”إردم” تعمل TUALCOM، وهي واحدة من أهم المؤسسات العاملة في هذا المجال في تركيا، مؤخراً على مشروع من شأنه أن يريح يد أنقرة ويمنحها الأفضلية في هذا المجال. وأوضح قائلاً: “خلال عملنا، رأينا أن نظام تحديد المواقع والتوقيت الوطني أمر لا غنى عنه لتركيا”، وذكر أنهم شمّروا عن سواعدهم من أجل الحل الأنسب بأقل تكلفة في المقام الأول.

وفي إشارة إلى أن رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية، إسماعيل دمير، كان يتابع المشروع عن كثب منذ البداية، ذكر إردم أيضاً أنهم اختبروا مشروع TRNAV في بيئة جرى فيها الخلط المكثف منذ فترة في منطقة جنوب شرق الأناضول. وتابع: “توجد أقمار صناعية في جميع أنحاء العالم، وهي ترسل إشارات إلى الأرض من هناك. ومع ذلك، فإن إرسال وظيفة والحفاظ عليها وصيانتها وضمان عدم العبث بها يتطلب ميزانيات جادة”.

وهنا تحديداً تبرز TUALCOM مع أنظمة الأقمار الصناعية للملاحة العالمية التي لا يمكن العبث بها. إذ تتلقى أجهزة الشركة الإشارة من الفضاء عبر الأقمار الصناعية من خلال المحطات الأرضية، ما يعني أنهم بنوا نظاماً متكاملاً يكمل كل منهما الآخر من الجو إلى الأرض.

وختم إردم حديثه مشيراً إلى أن النظام الذي تنتجه شركة TUALCOM يمكن نقله بسهولة بالغة ويمكن تثبيته بسرعة، ومؤكداً أيضاً أن النظام لا يعمل على النطاق المحلي وحسب، بل يمكن استخدامه أينما دعت الحاجة حول العالم.

الخلاصة هنا هي أن تركيا أصبحت قريبة للغاية من أن تمتلك نظاماً محلياً خاصاً بها لتحديد المواقع، للاستخدام في الأغراض العسكرية والمدنية، سيحرر أنقرة من الاعتماد على الأنظمة الغربية في هذا المجال، وبخاصة في الاستخدامات العسكرية، وهو ما يصب في اتجاه مشروع الاستقلال الوطني الذي يتبناه الرئيس التركي منذ البداية وفي جميع القطاعات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق